"فَصْلٌ فِي مَعْرِفَةِ النَّفْسِ وَخَلْقِ الْكَوْنِ وَالْأَرْوَاحِ"
وَقَدْ رَأَىٰ هِرْمِسُ عَزَّ عِزُّهُ يَوْمًا وَقْتَ انْفِطَارِ الْكَوْنِ وَالْعَوَالِمِ وَانْتِشَارِ الْحَيَاةِ فِي كُلِّ صُقْعٍ، فَصَاحَ بِهِ صَوْتُ النُّورِ الْمَائِيِّ لِلْكَوْنِ بِأَسْرِهِ، وَكَاشَفَهُ بِالسِّرِّ الْإِلَهِيِّ قَائِلًا: "إِنَّ النُّورَ الَّذِي رَأَيْتَهُ هُوَ الرُّوحُ الْإِلَهِيُّ الْحَاوِي كُلَّ شَيْءٍ بِالْقُوَّةِ، الْمُتَضَمِّنُ رُسُومَ الْكَائِنَاتِ، وَالْحَقِيقَةُ هِيَ مَعْرِفَةُ الْجَوْهَرِ اللَّاهُوتِيِّ وَالْقُوَّةِ الْخَارِقَةِ الَّتِي هِيَ رُوحُ الْكَوْنِ وَأُسُّ الْحَرَكَاتِ وَعِلَّةُ الْعِلَلِ الَّتِي مِنْ حَرَكَتِهَا كَانَ وُجُودُ الْمَوْجُودَاتِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْحِسِّيَّةِ، وَالْعِبَادَةُ هِيَ الْإِقْرَارُ بِوُجُودِ هَذِهِ الْقُوَّةِ الْأَزَلِيَّةِ وَالْخَالِقِ الْعَظِيمِ، وَالْعَمَلُ بِأَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ وَتَصْدِيقِهِ وَدُعَاتِهِ، وَإِخْلَاصُ طَاعَتِهِ بِصِدْقِ النِّيَّةِ، وَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَحَدٌ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ، كَامِلٌ فِي ذَاتِهِ، بَرِيءٌ مِنْ جَمِيعِ أَنْحَاءِ النَّقْصِ، مُنْفَرِدٌ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ، لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ وَلَا مَثِيلٌ وَلَا عَدِيلٌ، وَإِنَّ إِفْرَاطَ كَمَالِهِ يُبْهِرُنَا فَلَا نَقْوَىٰ عَلَىٰ تَصَوُّرِهِ عَلَىٰ التَّمَامِ".
وَقَالَ ابْنُ مَكْزُونٍ: إِنَّ الْأَسْرَارَ الْخَفِيَّةَ بَعِيدَةٌ عَنْ كَسْبِ الْخَيَالِ، غَامِضَةٌ عَنْ بَدِيهَةِ الْفِكْرِ، مَحْجُوبَةٌ عَنْ تَصَوُّرِ الْوَهْمِ، فَلَا تَحْصُلُ جَوَاهِرُهَا بِعَوَارِضِ الْأَعْرَاضِ، وَلَا تُدْرَكُ أَشِعَّةُ شُمُوسِهَا بِالْأَبْصَارِ الْمِرَاضِ، وَإِنَّمَا تَظْhَرُ بِالدَّلِيلِ، وَيُسْلَكُ إِلَيْهَا فِي نَهْجِ السَّبِيلِ، وَقَدْ تَفَاوَتَتْ مَرَاتِبُ طُلَّابِهَا وَحَالَاتُهُمْ، وَلَمْ يَبْلُغْ أَحَدٌ مِنْهُمْ غَايَةً إِلَّا وَظَهَرَ لَهُ أَنَّ وَرَاءَ تِلْكَ الْغَايَةِ غَايَةٌ قَدِ انْقَطَعَ عَنْهَا عِلْمُهُ، وَقَصُرَ عَنْ إِدْرَاكِهَا فَهْمُهُ.




