لِأَنَّ كُتُبَ أَهْلِ التَّوْحِيدِ جَمِيعًا دَلَّتْ عَلَىٰ وُجُودِ الصُّورَتَيْنِ وَمَعْرِفَتِهَا، وَمَنْ أَقَرَّ بِهِ فِي ظُهُورٍ وَأَنْكَرَهُ فِي ظُهُورٍ كَانَ إِنْكَارُهُ خَيْرًا مِنْ إِقْرَارِهِ، وَمَنْ أَقَرَّ بِالصُّورَةِ الْبَشَرِيَّةِ وَلَمْ يُقِرَّ وَلَمْ يُثْبِتْ وُجُودَ الْمَظْهَرِ النُّورَانِيِّ فَقَدْ كَفَرَ وَأَشْرَكَ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا.
وَقَالَ مَوْلَانَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عزَّ عِزُّهُ: "إِنَّ وَرَائِي غَيْرِي، وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ الْغَيْرِ".
أَرَادَ بِهِ التَّأْكِيدَ، وَالْوَرَاءَ: هَا هُنَا الْبَاطِنُ الَّذِي هُوَ غَيْرُ ظَاهِرِهِ. وَقَوْلُهُ غَيْرِي: أَيْ غَيْرُ ظَاهِرِي الَّذِي تُعَايِنُوهُ.
وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ الْغَيْرِ: أَرَادَ بِذَلِكَ لَيْسَ عَلَيْكُمْ أَنْ تُدْرِكُوا الْقَدِيمَ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي اسْتِطَاعَتِكُمُ ادِّرَاكُ صِفَةِ الْقِدَمِ، وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُطَالِبُ خَلْقَهُ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ الصُّورَةِ الَّتِي ظَهَرَ بِهَا كَالْجِنْسِ.
وَمِنْ كِتَابِ "الْحُجُبِ وَالْأَنْوَارِ": قَالَ الْحَكِيمُ مُحَمَّدُ ابْنُ سِنَانٍ: سَأَلْتُ الْعَالِمَ عزَّ عِزُّهُ عَنْ وُجُودِ الرَّبِّ فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لَا يُدْرَكُ إِلَّا بِالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ، لِأَنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ غَيْرُ مُسْتَعَارَةٍ فَمَتَىٰ نَطَقَ بِالْقُدْرَةِ عَجَزَتِ الْمَخْلُوقِينَ عَنْهَا، فَثَمَّ الْعَلِيُّ الْعَلَّامُ، وَبَطَلَتْ عِنْدَ ذَلِكَ الصُّورَةُ الْبَشَرِيَّةُ".




