يُورِيَ الرَّبُّ صُورَةَ مِثْلِيِّهِ لِأَهْلِ الْمِزَاجِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَتَغَيَّرُ عَنِ الذَّاتِيَّةِ، وَلَكِنْ تُصْرَفُ الْأَبْصَارُ إِلَىٰ الْمِثْلِيَّةِ، وَأَهْلُ الْمَرَاتِبِ لَا يَرَوْنَهُ إِلَّا ذَاتِيًّا انْزِعِيًّا مَعْنَوِيًّا، وَهَذِهِ كُلُّهَا فُرُوقٌ بَيِّنَةٌ تَدُلُّ عَلَىٰ أَنَّ الِاسْمَ غَيْرُ الْحَقِيقَةِ، وَالصِّفَةَ غَيْرُ الذَّاتِ، وَأَنَّ الْأَسْمَاءَ وَالصِّفَاتَ سِمَاتٌ تَدُلُّ عَلَىٰ حَقِيقَةِ الذَّاتِ، فَهَذَا بَيِّنٌ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ وَأَنْصَفَ عَقْلَهُ مِنْ هَوَاهُ.
وَقَالَ: كَانَ مَوْلَانَا الْحَسَنُ عزَّ عِزُّهُ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: "يَا كَثِيرَ الْوُجُوهِ، اهْدِ مَنْ طَلَبَكَ" مَعْنَاهَا يَا كَثِيرَ الصِّفَاتِ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ فِي سَائِرِ اللُّغَاتِ.
وَقَالَ الصَّادِقُ عزَّ عِزُّهُ: "إِنَّ الْمَعْنَىٰ عَزَّتْ آلَاؤُهُ هُوَ الظَّاهِرُ بَيْنَ الْأُمَمِ، وَالْمُتَوَلِّي لَهُمْ وَالْقَاضِي بَيْنَهُمْ فِي أَطْرَافِ بِلَادِهِمْ وَأَوْسَطِهَا، وَالنَّاطِقُ فِيهِمْ حَتَّىٰ لَا يَبْقَىٰ وَجْهٌ مِنَ الْوُجُوهِ إِلَّا وَهُوَ مُحْتَجٌّ بِهِ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ دُونَهُ، وَالْمَلَائِكَةَ دُونَهُ، وَلِكُلٍّ هُدًىٰ، وَلَيْسَ هُمُ الْفَاعِلُونَ لِذَلِكَ، وَهُوَ الْفَاعِلُ عَلَىٰ أَيْدِيهِمْ وَالنَّاطِقُ عَلَىٰ أَلْسُنَتِهِمْ، وَإِنَّ الْقُدْرَةَ لَيْسَتْ بِمُسْتَعَارَةٍ، وَإِنَّ النِّهَايَةَ فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ أَنْ تُؤْمِنَ بِهِ مِنْ حَيْثُ مَا نَطَقَ، وَإِنَّ نِهَايَةَ الْكُفْرِ بِهِ وَالْجُحُودَ لَهُ وَالدَّفْعَ لِقُدْرَتِهِ أَنْ تَقُولَ إِنَّهُ يَنْطِقُ عَلَىٰ لِسَانِ غَيْرِهِ، وَأَنْ تَدْعُوَ غَيْرَهُ وَأَنْتَ تُرِيدُهُ".




