وَأَمَّا قُدْرَةُ الْحُدُوثِ بِلَا تَنَاهِي: فَهِيَ قُدْرَةُ مُكَوِّنِ الْأَشْيَاءِ وَمُنْشِئِهَا الَّذِي لَا يُوصَفُ وَلَا يُحَدُّ وَلَا يُقَدَّرُ، كَمَا قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾(1).
وَأَمَّا الْقُدْرَةُ الَّتِي هِيَ تَقَعُ عَلَيْهَا حَدٌّ وَنِهَايَةٌ وَوَصْفٌ: فَهِيَ قُدْرَةُ الْمُحْدَثِ الَّذِي أَحْدَثَهُ الْمُكَوِّنُ فَجَعَلَ لَهُ الْإِعْذَارَ وَالْإِنْذَارَ وَالتَّبْلِيغَ، وَجَعَلَهُ سَبَبًا لِنَجَاةِ عَالَمِهِ الَّذِي هُوَ أَوَّلُ حُدُوثِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ الْبَابُ، وَهُوَ أَوَّلُ حُدُوثِ الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ، وَبِهِ وَمِنْهُ تَرْتِيبُ الْمَرَاتِبِ وَالدَّرَجِ.
وَأَمَّا الْقُدْرَةُ الَّتِي هِيَ كَوْنُهَا مِنْ أَمْرٍ نَاهِيٍ: فَإِنَّهَا قُدْرَةُ أَصْحَابِ الْمَرَاتِبِ وَالدَّرَجِ الَّذِينَ جَعَلَهُمُ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا مُؤْتَمِرِينَ لِلْبَابِ، فَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ وَيَدْعُونَ، كَمَا قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾(2).
وَقَالَ الشَّيْخُ حُسَيْنُ أَحْمَدَ بِرِسَالَتِهِ "جَادَّةُ النَّجَاحِ": قَالَ الصَّادِقُ عزَّ عِزُّهُ: "مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ مِنْ شَيْءٍ فَقَدْ كَفَرَ، وَلَكِنَّ الْمَثَلَ فِي ذَلِكَ كَالْحَرَارَةِ الذَّاتِيَّةِ مِنَ الشَّمْسِ، فَإِذَا قَابَلَتْهَا بِالْأَشْيَاءِ الرَّقِيقَةِ الصَّافِيَةِ وَجَعَلَتْهَا مُوَازِيَةً لِقُرْصِهَا أَحْدَثَتْ نَارًا وَالشَّمْسُ نُورٌ، فَهَلْ تِلْكَ النَّارُ جُزْءٌ مِنَ الشَّمْسِ، لَا، بَلْ عَنْهَا ظَهَرَتْ وَعَنْ ظِلِّهَا صَدَرَتْ وَاشْتُهِرَتْ، وَلَيْسَ فِي الشَّمْسِ نَارٌ وَلَا فِي الزُّجَاجِ، وَهَكَذَا كَوَّنَ الْبَابُ مِنَ الْمِيمِ، وَالْيَتِيمُ مِنَ الْبَابِ، وَالْأَصْلُ هُوَ الْمِيمُ، وَهُوَ الْفَاعِلُ لِذَلِكَ بِأَمْرِ مَوْلَاهُ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، فَسُبْحَانَ مَنْ لَا يَفْعَلُ إِلَّا إِبْدَاعًا".




