وَقَالَ آخَرُ: "إِنْ كَانَ لَهُمْ سَمْعٌ وَبَصَرٌ وَلَيْسَ هُنَاكَ أَصْوَاتٌ تُسْمَعُ وَلَا نَغَمَاتٌ تُلَذُّ، فَسَمْعُهُمْ وَبَصَرُهُمْ إِذًا بَاطِلٌ لَا فَائِدَةَ فِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ سَمْعٌ وَبَصَرٌ وَهُمْ يَسْمَعُونَ وَيُبْصِرُونَ فَهُمْ إِذًا أَشْرَفُ وَأَفْضَلُ مِمَّا هَا هُنَا، لِأَنَّ تِلْكَ الْجَوَاهِرَ هِيَ أَصْفَىٰ وَأَنْوَرُ وَأَشَفُّ وَأَتَمُّ وَأَكْمَلُ".
وَقَالَ آخَرُ: "إِنْ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الْمَحْسُوسَاتُ الَّتِي هُنَاكَ أَشْرَفَ وَأَفْضَلَ مِمَّا هَا هُنَا، وَلَمْ يَكُنْ لِلنُّفُوسِ إِلَيْهَا وُصُولٌ، فَتَرْغِيبُ الْفَلَاسِفَةِ فِي الرُّجُوعِ إِلَىٰ عَالَمِ الْأَرْوَاحِ وَتَرْغِيبُ الْأَنْبِيَاءِ عَزَّ عِزُّهُمْ وَتَشْوِيقُهُمْ إِلَىٰ نَعِيمِ الْجِنَانِ إِذًا بَاطِلٌ وَزُورٌ وَبُهْتَانٌ، وَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ ذَٰلِكَ".
إِخْوَانُ الصَّفَا: وَاعْلَمْ يَا أَخِي أَنَّهُ إِذَا اعْتَبَرَ الْإِنْسَانُ وَجَدَ مَثَلَ الْجَسَدِ كَالسَّفِينَةِ وَالنَّفْسِ كَالْمَلَّاحِ، وَالْأَعْمَالَ كَالْأَمْتِعَةِ لِلتُّجَّارِ، وَالدُّنْيَا كَالْبِحَارِ، وَالْمَوْتَ كَالسَّاحِلِ، وَالْآخِرَةَ كَمَدِينَةِ التُّجَّارِ، وَاللَّهَ تَعَالَىٰ الْمَلِكَ الْمُجَازِيَّ هُنَاكَ، وَالْإِنْسَانُ بُنِيَ عَلَىٰ صُورَةِ الْكَوْنِ، فَبِنْيَةُ جَسَدِهِ كَالْأَرْضِ، وَعِظَامُهُ كَالْجِبَالِ، وَالْمُخُّ فِيهِ كَالْمَعَادِنِ، وَجَوْفُهُ كَالْبِحَارِ، وَأَمْعَاؤُهُ كَالْأَنْهَارِ وَعُرُوقُهُ كَالْجَدَاوِلِ، وَلَحْمُهُ كَالتُّرَابِ، وَشَعْرُهُ كَالنَّبَاتِ، وَمَنْبَتُهُ كَالْبَرِّيَّةِ الطَّيِّبَةِ، وَحَيْثُ لَا يَنْبُتُ الشَّعْرُ كَالْأَرْضِ السَّبِخَةِ، وَوَجْهُهُ إِلَىٰ الْقُدَّامِ كَالْعُمْرَانِ، وَظَهْرُهُ كَالْخَرَابِ، وَقُدَّامُ وَجْهِهِ كَالْمَشْرِقِ، وَخَلْفُ ظَهْرِهِ كَالْمَغْرِبِ، وَيَمِينُهُ كَالْجَنُوبِ، وَيَسَارُهُ كَالشَّمَالِ، وَتَنَفُّسُهُ كَالرِّيَاحِ وَكَلَامُهُ كَالرَّعْدِ، وَأَصْوَاتُهُ كَالصَّوَاعِقِ، وَضَحِكُهُ كَضَوْءِ النَّهَارِ، وَبُكَاؤُهُ كَالْمَطَرِ، وَبُؤْسُهُ




