وَصِيَّةٌ: اجْعَلْ جَسَدَكَ بَيْتَكَ، وَقَلْبَكَ خَلْوَتَكَ فِي الْبَيْتِ، وَاجْتَهِدْ أَنْ لَا تَبْرَحَ فِي خَلْوَتِكَ مُنْتَظِرًا لِمَحْبُوبِكَ، فَلَعَلَّهُ يَزُورُكَ فَيَجِدَكَ حَاضِرًا وَالْمَكَانُ خَالٍ، قَابِلْ بِعَيْنِ النَّفْسِ مِرْآةَ عَقْلِهَا، فَتِلْكَ حَيَاةُ النَّفْسِ بَعْدَ مَمَاتِهَا.
بِنَاءٌ عَجِيبٌ وَوَعْظٌ غَرِيبٌ: الْمَحْصُورُ فِي سِجْنِ شَهَوَاتِهِ، إِذَا مَاتَ سُجِنَ فِيهَا بَعْدَ الْمَوْتِ أَبَدًا بِصُورَةِ الْعَطَشِ، الَّذِي كُلَّمَا عَطِشَ شَرِبَ، وَكُلَّمَا شَرِبَ عَطِشَ، فَاسْتَمَرَّ أَبَدًا فِي سِجْنِهِ سَرْمَدًا.
تَنْبِيهٌ: اعْلَمْ أَنَّ الشَّيْطَانَ اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنْ شَاطَ يَشُوطُ شَوْطًا فِي الْأَرْضِ، وَهُوَ سُرْعَةُ السَّيْرِ، وَهُوَ فِي الْأَرْضِ وَيَهِيمُ فِي كُلِّ وَادٍ، وَالْخَاطِرُ خَاطِرَانِ: عُلْوِيٌّ وَهُوَ الْمَلَكُوتُ، وَيَنْقَسِمُ إِلَىٰ أَقْسَامٍ هُنَّ بِمَنْزِلَةِ الْمَلَائِكَةِ، وَسُفْلِيٌّ وَهُوَ الْأَرْضِيُّ الَّذِي أُهْبِطَ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَىٰ الْأَرْضِ وَمَعْنَىٰ الْجَنَّةِ مَأْخُوذٌ مِنَ الِاسْتِتَارِ لِلُطْفِهَا وَرُوحَانِيَّتِهَا، وَمَعْنَىٰ الْأَرْضِ الْجُسْمَانِيَّاتُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا، فَمَا كَانَ مِنَ الْخَاطِرِ عُلْوِيًّا فَهُوَ رُوحَانِيٌّ مَلَكُوتِيٌّ وَهُوَ مِنَ الْجَنَّةِ، وَمَا كَانَ سُفْلِيًّا فَهُوَ جُسْمَانِيٌّ شَيْطَانِيٌّ مِنَ النَّارِ، يَا غَافِلًا، هُوَ أَبَىٰ أَنْ يَسْجُدَ لَكَ سَجْدَةً وَاحِدَةً وَقَدْ أُمِرَ فَكَيْفَ تَسْجُدُ لَهُ وَقَدْ نُهِيتَ، فَالشَّيْطَانُ عِبَارَةٌ عَنْ جَمِيعِ الصِّفَاتِ الرَّدِيئَةِ.




