مُحِيُّ الدِّينِ مَوَاقِعَ النُّجُومِ:
قُلْ لِامْرءٍ رَامَ ادِّرَاكاً لِخَالِقِهِ | الْعَجْزُ عَنْ دَرَكِ الِادِّرَاكِ ادِّرَاكٌ | |
مَنْ دَانَ بِالْحَيْرَةِ الْغَرَّاءِ فَهُوَ فَتَىٰ | لَغَايةِ الْعِلْمَ بِالرَّحْمَنِ دَرَاكْ | |
وَآيَا شَخْصٍ أبىٰ إلَّا تَحَقُّقَهُ | فَانَ غَايَتُهُ جَحْدٌ وَاشِّرَاكُ | |
فَالْعَجْزُ عَنْ دَرَكِ التَّحْقِيقِ شَمْسُ ضُحَىٰ | جَرَتْ بِهِ فَوْقَ جَوَّا النُّسُكِ افْلَاكْ |
مِنْهَاجُ الصَّالِحِينَ: وَالْحِجَابُ هُوَ انْطِبَاعُ الصُّوَرِ الْكَوْنِيَّةِ فِي الْقَلْبِ، الْمَانِعَةِ قَبُولَ تَجَلِّي الْحَقِّ، فَمَتَىٰ كَانَ فِي قَلْبِ السَّالِكِ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَىٰ فَهُوَ مَحْجُوبٌ عَنْ تَجَلِّي الْحَقِّ، وَقَدْ تَكْثُرُ الْأَغْيَارُ فَتَصِيرُ حِجَابًا ظُلْمَانِيًّا، وَقَدْ تَقِلُّ فَتَكُونُ حِجَابًا نُورَانِيًّا، فَلِذَٰلِكَ اخْتَارَ الْمُحَقِّقُونَ لِلسَّالِكِ تَرْكَ الْأَسْبَابِ، وَاتِّخَاذَ الْخَلْوَةِ وَالْعُزْلَةِ عَنِ النَّاسِ، لِئَلَّا تَنْطَبِعَ الصُّوَرُ الْكَوْنِيَّةُ فِي قَلْبِهِ فَتَمْنَعَهُ عَنْ تَجَلِّي الْحَقِّ لَهُ، وَإِذَا انْتَهَىٰ السُّلُوكُ إِلَىٰ اللَّهِ اسْتَغْرَقَ الْعَبْدُ فِي بَحْرِ التَّوْحِيدِ وَالْعِرْفَانِ، حَيْثُ تَضْمَحِلُّ ذَاتُهُ فِي ذَاتِهِ، وَصِفَاتُهُ فِي صِفَاتِهِ، وَيَغِيبُ عَنْ كُلِّ مَا سِوَىٰ اللَّهِ، وَلَا يَرَىٰ فِي الْوُجُودِ إِلَّا اللَّهَ تَعَالَىٰ، وَهَٰذَا الَّذِي يُسَمُّونَهُ الْفَنَاءَ فِي التَّوْحِيدِ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: «لَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ...» إِلَىٰ آخِرِهِ كَمَا مَرَّ، وَكُلُّ مَنْ لَيْسَتْ لَهُ بِدَايَةٌ مُحْرِقَةٌ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِهَايَةٌ مُشْرِقَةٌ، وَمَنْ لَا مُجَاهَدَةَ لَهُ لَا مُشَاهَدَةَ، وَمَنْ لَمْ يُجَاهِدْ نَفْسَهُ فِي بِدَايَتِهِ لَمْ يَشُمَّ لِلطَّرِيقَةِ رَائِحَةً، إِذْ بُنِيَتِ الطَّرِيقَةُ عَلَىٰ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: لَا يَأْكُلُ مُرِيدُهَا إِلَّا عِنْدَ الْفَاقَةِ، وَلَا يَنَامُ إِلَّا عِنْدَ الْغَلَبَةِ، وَلَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ.




