مُحْيِي الدِّينِ، شَجَرَةُ الْكَوْنِ: الْعِلْمُ يَتَحَكَّمُ فِي طَبْعِ السَّالِكِ، ثُمَّ يُظْهِرُ لَهُ الطَّوَارِقَ وَالْبَوَارِقَ وَالْبَوَادِرَ وَالْوَقَائِعَ وَالْقَوَادِحَ وَالطَّوَالِعَ وَاللَّوَامِحَ وَاللَّوَامِعَ، ثُمَّ يُظْهِرُ فَضَاءً مُنَوَّرًا لَا نِهَايَةَ لَهُ وَلَا حَدَّ وَلَا صُورَةَ، بَلْ نُورٌ مُطْلَقٌ، وَذَلِكَ لِلتَّمْكِينِ مِنَ الْمَلَكُوتِ بَعْدَ التَّلْوِينِ فِيهِ، وَهُوَ نُورُ الْإِيمَانِ يَقْطَعُ بِهِ هَذَا الْمَقَامَ كَمَا قُطِعَ مَقَامُ الْمُلْكِ بِنُورِ الْإِسْلَامِ، وَيَقْطَعُ الْجَبَرُوتَ بِنُورِ الْإِحْسَانِ، وَاللَّاهُوتَ بِنُورِ الْعِرْفَانِ، وَالْعِلْمُ نُورٌ مِنْ أَنْوَارِ اللَّهِ تَعَالَىٰ يَقْذِفُهُ فِي قَلْبِ مَنْ أَرَادَ مِنْ عِبَادِهِ، وَهُوَ مَعْنًىٰ قَائِمٌ بِنَفْسِ الْعَبْدِ يُطْلِعُهُ عَلَىٰ حَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ، وَهُوَ لِلْبَصِيرَةِ كَنُورِ الشَّمْسِ لِلْبَصَرِ مَثَلًا، بَلْ أَتَمُّ وَأَشْرَفُ، وَالْعِلْمُ أَيْضًا عِبَارَةٌ عَنْ حَقِيقَةٍ فِي النَّفْسِ تَتَعَلَّقُ بِالْمَعْدُومِ وَالْمَوْجُودِ عَلَىٰ حَقِيقَتِهِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا أَوْ يَكُونُ إِذَا وُجِدَ، فَهَذِهِ الْحَقِيقَةُ هِيَ الْعِلْمُ.
ثُمَّ قَالَ: "فَالْعِلْمُ لَا يَتَعَلَّقُ إِلَّا بِمَوْجُودٍ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِمَعْدُومٍ رَأْسًا، إِذِ الْمَعْدُومُ الْمَحْضُ لَا يُتَصَوَّرُ تَعَلُّقُ الْعِلْمِ بِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَىٰ صُورَةٍ، وَلَا مُقَيَّدٌ بِصِفَةٍ، وَلَا لَهُ حَقِيقَةٌ تَنْضَبِطُ إِلَّا النَّفْيَ الْمَحْضَ، وَالنَّفْيُ الْمَحْضُ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ فِي النَّفْسِ شَيْءٌ، إِذْ لَوْ حَصَلَ لَكَانَ وُجُودًا وَالْعَدَمُ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ لَا يَكُونُ وُجُودًا أَبَدًا".
يَقُولُ الْغَزَالِيُّ: "الْعُلُومُ مَرْكُوزَةٌ فِي أَصْلِ النَّفْسِ بِالْقُوَّةِ كَالْبَذْرِ فِي الْأَرْضِ وَالْجَوْهَرِ فِي قَعْرِ الْبَحْرِ أَوْ فِي قَلْبِ الْمَعْدِنِ، وَالتَّعَلُّمُ هُوَ طَلَبُ خُرُوجِ ذَلِكَ الشَّيْءِ مِنَ الْقُوَّةِ إِلَىٰ الْفِعْلِ




