إِلَىٰ قَوْلِهِ: يَتَجَلَّىٰ الرُّوحُ الْإِنْسَانِيُّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ عَلَىٰ تِلْكَ الصُّورَةِ فِي أَحْسَنِ صُوَرِ الْإِنْسَانِ، لَهُ ضِيَاءٌ وَنُورٌ يُشْرِقُ عَلَىٰ الْأَكْوَانِ، ثُمَّ يَتَجَلَّىٰ الرُّوحُ الْإِلَهِيُّ عَلَيْهَا، وَإِنَّ الْأَرْوَاحَ فِي عَالَمِهَا مَرَاتِبُ مُتَعَيِّنَةٌ، وَصُفُوفٌ مُتَرَتِّبَةٌ، وَاسْتِعْدَادَاتٌ مُتَفَاوِتَةٌ، مُتَهَيِّئَةٌ فِي الْأَزَلِ بِمَحْضِ الْعِنَايَةِ الْأُولَىٰ وَالْفَيْضِ الْأَقْدَسِ، فَأَهْلُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ هُمُ السَّابِقُونَ الْمُفْرَدُونَ الْمُقَرَّبُونَ الْمَحْبُوبُونَ الْمَخْصُوصُونَ بِفَضْلِ عِنَايَتِهِ وَسَابِقِ كَرَامَتِهِ، الْمُتَعَارِفُونَ بِنُورِهِ الْمُتَحَابُّونَ فِيهِ، وَالْبَاقُونَ يَتَبَايَنُونَ فِي الدَّرَجَاتِ، وَبِحَسَبِ تَقَارُبِهَا وَتَبَاعُدِهَا يَتَعَارَفُونَ وَيَتَنَاكَرُونَ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ إِلَىٰ آخِرِ الصُّفُوفِ فَلَهَا مَرَاكِزُ ثَابِتَةٌ وَأُصُولٌ رَاسِخَةٌ فِي الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ، وَعِنْدَ التَّعَلُّقِ بِالْأَبْدَانِ يَتَفَاوَتُ دَرَجَاتُ كَمَالَاتِهَا وَغَايَةُ سَعَادَاتِهَا بِحَسَبِ مَا لَهَا مِنَ الِاسْتِعْدَادِ الْأَوَّلِيِّ الْمَخْصُوصِ بِكُلٍّ مِنْهَا مِنْ مَبَادِئِهَا فِي الْأَزَلِ.
كَمَا قَالَ عزَّ عِزُّهُ: "النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ"، حَتَّىٰ انْتَهَتِ الدَّرَجَاتُ فِي الْعُلُوِّ إِلَىٰ الْفَنَاءِ فِي التَّوْحِيدِ الذَّاتِيِّ، وَالنَّفْسُ الشَّهْوَانِيَّةُ هِيَ الْبُخَارُ اللَّطِيفُ الْحَامِلُ لِلْحَيَاةِ وَالْحِسِّ وَالْحَرَكَةِ الْإِرَادِيَّةِ، وَهِيَ الَّتِي تُسَمِّيهَا الْحُكَمَاءُ الرُّوحَ الْحَيَوَانِيَّ، وَهِيَ جَوْهَرٌ مُشْرِقٌ عَلَىٰ الْبَدَنِ، فَإِنْ أَشْرَقَتْ عَلَىٰ ظَاهِرِ الْجَسَدِ وَبَاطِنِهِ حَصَلَتِ الْيَقَظَةُ، وَإِنْ أَشْرَقَتْ عَلَىٰ بَاطِنِ الْجَسَدِ لَا عَلَىٰ ظَاهِرِهِ حَصَلَ النَّوْمُ، وَإِنِ انْقَطَعَ إِشْرَاقُهَا بِالْكُلِّيَّةِ عَنِ الْحَيَوَانِ حَصَلَ الْمَوْتُ، فَسُبْحَانَ الصَّانِعِ الْحَكِيمِ.




