لِلتَّجَلِّي الْإِلَهِيِّ الَّذِي قَدْ قِيلَ فِيهِ: "وَلَكِنْ وَسِعَنِي قَلْبُ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ"، وَلِذَلِكَ قَالَ عزَّ عِزُّهُ: "لِي مَعَ اللَّهِ وَقْتٌ لَا يَسَعُنِي فِيهِ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ".
فَظَاهِرُ هَذَا الْوَقْتَ لَا يَسَعُنِي إِلَّا اللَّهُ، وَقَدْ ظَهَرَ مِمَّا سَلَفَ أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَمْ تَسَعِ اللَّهَ وَوَسِعَهُ قَلْبُ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ، وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ الْمُتَحَقِّقَ بِاللَّهِ إِذَا أُفِيضَتْ عَلَيْهِ التَّجَلِّيَاتُ ارْتَقَتْ رُوحُهُ فَلَمْ يَسَعْهَا شَيْءٌ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، وَكَيْفَ يَتَثَنَّىٰ لِمَخْلُوقٍ أَنْ يَسَعَ هَيْكَلًا اجْتَمَعَتْ فِيهِ أَسْرَارُ الرُّبُوبِيَّةِ وَانْطَوَتْ فِيهِ الْعَوَالِمُ الْكَوْنِيَّةُ.
وَإِذَا كَانَ الْعَرْشُ الْمُحِيطُ بِالْأَكْوَانِ قَدِ انْطَوَىٰ فِي عَالَمِهِ، فَكَيْفَ يُحْتَمَلُ تَجَلِّيهِ غَيْرَ مُفِيضِ الْأَسْرَارِ عَلَيْهِ الَّذِي اسْتَوَىٰ عَلَىٰ عَرْشِهِ وَخَلَقَهُ عَلَىٰ صُورَتِهِ، جَلَّتْ قُدْرَتُهُ وَعَزَّ شَأْنُهُ.
تَقَدَّمَ لَنَا أَنَّ الرُّوحَ سَيَّالٌ قَابِلٌ لِلْمَدِّ وَالْجَزْرِ، وَصَفَاءٌ صِرْفٌ مِنْ حَيْثُ الْفِطْرَةِ، فَهِيَ مِرْآةٌ يَتَمَثَّلُ فِيهَا كُلُّ مَا يُقَابِلُ مِنَ الْمَرَايَا، وَمَعَ ذَلِكَ فَهِيَ قَابِلَةٌ لِلِانْعِكَاسِ وَلِتَكْيِيفِهَا بِالْكَثِيرِ مِنَ الْكَيْفِيَّاتِ، تَتَشَكَّلُ بِالصُّوَرِ الَّتِي يَتَصَوَّرُهَا الْوَهْمُ وَيَتَجَدَّدُهَا التَّفَكُّرُ، فَإِذَا سَلَّمْنَا هَذَا فَلَنَا أَنْ نَقُولَ: لَمَّا كَانَتِ الْأَرْوَاحُ مُتَعَارِفَةً مِنْ عَالَمِهَا الْأَوَّلِ وَمُزْدَوَجَةً، وَهَذَا الِازْدِوَاجُ هُوَ عَيْنُ التَّمَثُّلِ، وَصَفَاؤُهَا كَفِيلٌ بِانْطِبَاعِ مَا يُقَابِلُهَا مِنَ النَّظَائِرِ، وَلَنَا أَنْ نَتَصَوَّرَ أَنَّ كُلَّ رُوحٍ مُنْطَبِعَةٌ فِي مِرْآتِهَا جَمِيعُ الْأَرْوَاحِ.




