الْأَنْفَاسِ وَامْتَدَّتْ بِحَمْلِهَا الْهَوَاءَ مَعَ بَقَاءِ أَصْلِهَا فِي الْجِسْمِ حَتَّىٰ تَخْرُقَ حِجَابَ الْأَثِيرِ وَتَسِيرَ فِي عَالَمِ الْفَضَاءِ، فَلَمْ تَجِدْ لَهَا مَنْفَذًا تَسْلُكُهُ إِذَا غَلَبَتْ عَلَيْهَا الْجُسْمَانِيَّةُ التُّرَابِيَّةُ، فَارْتَدَّتْ إِلَيْهَا حَسِيرَةً تَحْمِلُ جُزَيْئَاتٍ مِنَ الْإِلْهَامِ وَبَسَائِطَ مِنَ الْمَعْلُومَاتِ لِتُلْقِيَ بِهَا إِلَىٰ الْقَلْبِ مَسْكَنِهَا، فَتُشْرِقُ الْحَوَاسُّ فَيَسْبِقُ اللِّسَانُ إِلَىٰ لَفْظِهِ، وَلَوِ انْسَدَّ مَجْرَىٰ النَّفْسِ مَسْلَكُهَا الْوَحِيد لَاحْتَرَقَ الْجَسَدُ بِنَارِهَا، وَهَبَّتْ مِنْ أَقَلِّ مَنْفَذٍ وَطَارَتْ إِلَىٰ عَالَمِهَا وَتَرَكَتْهُ خَرَابًا بِالْقَاعِ، وَهَذَا هُوَ الْمَوْتُ.
فَيَا هَؤُلَاءِ، الرُّوحُ سِرٌّ يَمْلَأُ الْفَضَاءَ، وَيَفِيضُ عَلَىٰ الْأَكْوَانِ، بَلْ يَخْتَرِقُ سِيَاجَ الْأَجْسَامِ الصَّلْبَةِ، وَيَنْفُذُ إِلَىٰ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِذَا طَارَتْ إِلَىٰ عَالَمِهَا رَأَتْ هُنَاكَ أَرْوَاحًا رُوحَانِيَّةً وَمَلَائِكَةً سَمَاوِيَّةً، فَيَحْصُلُ التَّعَارُفُ وَالِازْدِوَاجُ، فَتَأْخُذُ أَسْرَارَ الْمَلَكُوتِ عَنْهُمْ، وَإِمَّا بِالْوَاسِطَةِ أَوْ تُطْبَعُ فِيهَا صُوَرُ تِلْكَ الْهَيَاكِلِ وَمَعَانِيهَا، فَإِذَا مَا عَادَتْ بِالْجَزْرِ إِلَىٰ هَيَاكِلِهَا أَفَاضَتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الْمَعَارِفَ، فَيَقُولُ مَا شَاءَ وَيُخْبِرُ بِمَا يُرِيدُ مِمَّا أُلْقِيَ إِلَيْهِ، ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ امْرِهِ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾(1)، الرُّوحُ يَا هَذَا تَصْلُحُ لِأَنْ تَطِيرَ بِهَيْكَلِهَا إِلَىٰ الْجَوِّ، بَلْ وَتَخْرُقَ سِيَاجَ الْأَثِيرِ، إِذَا غَذَّيْتَهَا بِصِدْقِ الْعَزِيمَةِ، وَرَوَّضْتَهَا عَلَىٰ الْجِدِّ وَالنَّشَاطِ فِي الْعِبَادَةِ، وَأَحْسَنْتَ إِلَيْهَا بِتَخْفِيفِ الشَّهْوَةِ الْكَاذِبَةِ وَاللَّذَّةِ الْفَانِيَةِ، وَتَدَبَّرْتَ قَوْلَهُ تَعَالَىٰ ﴿قَدْ افْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾(2)، وَلَمْ يَبْعُدْ عَنْ أَذْهَانِنَا أَنَّ فِي الْأَرْوَاحِ نَفْسِهَا فَاضِلًا




