نَفْسَكَ عَلَىٰ النَّظَرِ الصَّحِيحِ، لَرَأَيْتَ الْعَالَمَ كُلَّهُ يَخْدُمُكَ، أَعِدِ النَّظَرَ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ، وَأَجِلْ طَرْفَكَ فِي الْمَرْئِيَّاتِ وَالْمَسْمُوعَاتِ، ثُمَّ اتْرُكْ نَفْسَكَ دَفْعَةً وَاحِدَةً، أَفَلَا تَجِدُ أَنَّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ بَصَرُكَ وَقَرَعَ سَمْعَكَ قَدِ ارْتَسَمَ فِي مُخَيِّلَتِكَ، أَفَلَا يَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَىٰ أَنَّ رُوحَكَ تَسَعُ هَذَا الْوُجُودَ، وَهَذَا هُوَ السِّرُّ الَّذِي أُشِيرُ إِلَىٰ تَذَكُّرِكَ إِيَّاهُ، وَالْمَعْنَىٰ الْمُرَادُ الَّذِي أَقْصِدُ تَنْبِيهَكَ إِلَيْهِ، فَارْجِعْ لِعَقْلِكَ وَاعْلَمْ أَنَّكَ مُسْتَعِدٌّ لِاكْتِشَافِ مَا وَرَاءَ السِّتَارِ مِنْ حُجُبٍ كَثِيفَةٍ وَجَدِيرٌ بِالْوُقُوفِ عَلَىٰ حَقَائِقِ الْمُبْهَمَاتِ الَّتِي مَا خُلِقَتْ إِلَّا لِأَجْلِكَ.
عَالِمٌ مِصْرِيٌّ: يَثْبُتُ بِالِاسْتِقْرَاءِ أَنَّ الْأَرْوَاحَ مِنَ النُّورِ الْأَقْدَسِ، وَهُوَ نُورٌ أَفَاضَهُ اللَّهُ بِالْأَمْرِ فِي مَبْدَإِ الْخَلْقِ، وَقَسَّمَهُ بِقُدْرَتِهِ إِلَىٰ أَجْزَاءٍ غَيْرِ مُتَنَاظِرَةٍ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ وَجَمَعَهَا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فِي عَالَمِ التَّكْوِينِ، وَقَالَ لَهُمْ: "أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ"، قَالُوا: "نَعَمْ"، ثُمَّ قَذَفَ فِيهَا بِالنَّفْخِ رُوحَهُ، فَتَعَارَفَتْ وَتَخَالَفَتْ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَتْ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَتْ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ، فَمِنْ جِهَةِ تَوَحُّدِ الْأَصْلِ مُلْتَئِمَةٌ، وَمِنْ جِهَةِ اخْتِلَافِ الْمَهْبِطِ غَيْرُ مُلْتَئِمَةٍ ظَلَّتْ هَذِهِ الْأَرْوَاحُ سَابِحَةً فِي النُّورِ الرَّبَّانِيِّ، مُنْغَمِسَةً فِي السِّرِّ الرُّوحَانِيِّ، دَائِرَةً حَوْلَ هَيَاكِلِ الْوُجُودِ تَتَعَرَّفُهَا مُذْ أُلْهِمَتْ بِأَنَّهَا لَهَا وَفِيهَا وَمِنْهَا، حَتَّىٰ قَدَّرَ لَهَا مُقَدِّرُ الْإِيجَادِ بِأَنْ تَتَلَبَّسَ هَيَاكِلَ وَتُحْبَسَ فِيهَا إِلَىٰ أَجَلٍ مَعَ بَقَاءِ بَعْضِ صِلَتِهَا بِعَالَمِهَا، سَكَنَتِ الرُّوحُ فِي ظَلَامِ التُّرَابِيَّةِ الْجُسْمَانِيَّةِ وَاحْتَفَظَتْ بِحَقِّهَا الْأَزَلِيِّ، فَأَعْطَتِ التُّرَابَ حَيَاةً وَدَبَّتْ بِقُوَّتِهَا فِي أَجْزَائِهِ وَهَبَّتْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحَايِينِ إِلَىٰ اسْتِنْشَاقِ شَذَىٰ عَبِيرِ عَالَمِهَا، فَسَطَتْ بِقُوَّتِهَا مِنْ مَجَارِي




