وَسَجَدَ لَكَ مَا فِي الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ، نَحْنُ فِي بَاطِنِ الْكَوْنِ كَالْجَنِينِ، وَالتَّكَالِيفُ الشَّرْعِيَّةُ تُكْمِلُ الصُّورَةَ الرُّوحَانِيَّةَ، وَلِهَذَا جُعِلَتِ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ عَلَىٰ عَدَدِ الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ، وَكُلُّ الْمَشَاهِدِ فِي عَالَمِ الْكَوْنِ هِيَ تَمْثِيلَاتٌ لِمَعَانٍ فِي عَالَمِ الْعَقْلِ، وَالْحَقِيقَةُ غَيْرُ زَائِلَةٍ وَلَا بَائِدَةٍ بِزَوَالِ الْمَثَلِ، وَإِنَّمَا يُصَوِّرُ الْعَقْلُ ذَاتَهُ فِي الْهَيُولَىٰ ثُمَّ يَنْظُرُ بِذَاتِهِ إِلَىٰ مَعَانِي ذَاتِهِ، فَيَلْتَذُّ بِشَيْءٍ خَارِجٍ عَنْهُ لَذَّةً عَجِيبَةً سَرْمَدِيَّةً، وَتَفْنَىٰ بِالْعَقْلِ هَا هُنَا النَّفْسُ الْفَاعِلَةُ الْعَاقِلَةُ، وَهَذَا هُوَ التَّرْجُمَانُ الْأَعْظَمُ.
فَيْلَسُوفٌ مَسِيحِيٌّ: اعْلَمْ أَيُّهَا الْوَاقِفُ عَلَىٰ كِتَابِي هَذَا أَنَّ الْإِنْسَانَ هُوَ خُلَاصَةُ حِكْمَةِ اللَّهِ، وَهُوَ مَجْمُوعٌ مِنْ جَسَدٍ تُرَابِيٍّ مُظْلِمِ الطَّبْعِ وَرُوحٍ رُوحَانِيَّةٍ نَيِّرَةٍ صَافِيَةٍ، وَهُمَا جَوْهَرَانِ مُتَبَايِنَانِ فِي الصِّفَاتِ، مُتَضَادَّانِ فِي الْأَحْوَالِ، مُشْتَرَكَانِ فِي الْأَفْعَالِ الْعَارِضَةِ وَالصِّفَاتِ الزَّائِدَةِ، فَمِنْ أَجْلِ جَسَدِهِ الْأَرْضِيِّ يَتَمَنَّىٰ الْخُلُودَ هُنَا، وَمِنْ أَجْلِ رُوحِهِ النُّورَانِيَّةِ يُرِيدُ الِالْتِحَاقَ بِالْقُوَّاتِ النُّورِيَّةِ السَّمَائِيَّةِ، وَلِهَذَا تَجِدُ حَيَاةَ الْإِنْسَانِ وَتَصَرُّفَهُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ فِي بَيَانِ قُوَّةِ النَّفْسِ: رَأَىٰ أَهْلُ الشَّرِيعَةِ الْمُقَدَّسَةِ لِلنَّفْسِ قُوَّتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا نُطْقِيَّةٌ وَالْأُخْرَىٰ حَيَوَانِيَّةٌ، وَلِذَلِكَ يُقَالُ إِنَّ النَّفْسَ حَيَّةٌ نَاطِقَةٌ، فَقُوَّتُهَا النَّاطِقَةُ إِلَىٰ الْعَقْلِ وَالرَّأْيِ وَالذِّهْنِ وَالْفِكْرِ وَالذِّكْرِ، وَقُوَّتُهَا الْحَيَوَانِيَّةُ تَنْقَسِمُ إِلَىٰ مَا هُوَ فِيهَا طَبِيعِيٌّ وَمَا هُوَ




