مُحْيِي الدِّينِ: "وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ الَّذِي هُوَ أَنْتَ"، أَيِ: اعْرِفْ نَفْسَكَ وَاذْكُرْهَا وَلَا تَنْسَاهَا فَيَنْسَاكَ اللَّهُ، وَاجْتَهِدْ لِتَحْصِيلِ كَمَالَاتِهَا بَعْدَ مَعْرِفَةِ حَقِيقَتِهَا، وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَجْهَ الَّذِي يَلِي الرُّوحَ مِنَ الْقَلْبِ مَوْضِعٌ مُنَوَّرٌ بِنُورِ الرُّوحِ يُسَمَّىٰ الْعَقْلَ، وَهُوَ الْبَاعِثُ عَلَىٰ الْخَيْرِ وَالْمَطْرَقُ لِإِلْهَامِ الْمَلِكِ.
وَالْوَجْهُ الَّذِي يَلِي النَّفْسَ مِنْهُ «مُظْلِمٌ بِظُلْمَةِ صِفَاتِهَا» يُسَمَّىٰ الصَّدْرَ، وَهُوَ مَحَلُّ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا نُفِخَ فِي الْإِنْسَانِ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ الْتَحَقَ بِالْوُجُودِ الْمُطْلَقِ الْتِحَاقًا مَعْنَوِيًّا مُقَدَّسًا، وَهُوَ حَظُّهُ مِنَ الْإِلَهِيَّةِ، فَهُوَ يُقَرِّرُ عِنْدَنَا أَنَّ الْإِنْسَانَ لَهُ نُسْخَتَانِ: نُسْخَةٌ ظَاهِرَةٌ وَنُسْخَةٌ بَاطِنَةٌ، فَنُسْخَتُهُ الظَّاهِرَةُ مُضَاهِيَةٌ لِلْعَالَمِ بِأَسْرِهِ، وَنُسْخَتُهُ الْبَاطِنَةُ مُضَاهِيَةٌ لِلْحَضْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ، فَالْإِنْسَانُ هُوَ الْكُلِّيُّ عَلَىٰ الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقِيِّ، إِذْ هُوَ الْقَابِلُ لِجَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ قَدِيمِهَا وَحَدِيثِهَا، وَمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ لَا يَقْبَلُ ذَلِكَ، فَإِنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنَ الْعَالَمِ لَا يَقْبَلُ الْأُلُوهِيَّةَ، وَالْإِلَهُ لَا يَقْبَلُ الْعُبُودِيَّةَ، فَأَصْلُ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا وُجُودُ الْحَقِّ تَعَالَىٰ، إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ هَذَا الْأَصْلُ الْإِلَهِيُّ مَوْجُودًا وَهَذِهِ الْمَادَّةُ الْهَيُولَانِيَّةُ مَعْقُولَةً لَمَا صَحَّ هَذَا الْفَرْعُ الْمُحْدَثُ الْكَائِنُ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ.




