مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

الْعَسَلُ فِي مَعْرِفَةِ الْأَزَلِ - سَلْمَانُ طَاهِرُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 226 من 261

وَإِنَّ الْمَوْتَ لَيْسَ شَيْئًا سِوَىٰ مُفَارَقَةِ النَّفْسِ الْجَسَدَ، كَمَا أَنَّ الْوِلَادَةَ لَيْسَتْ شَيْئًا سِوَىٰ مُفَارَقَةِ الْجَنِينِ الرَّحِمِ، وَالنَّوْمُ هُوَ مُفَارِقَةُ النَّفْسِ الْجَسَدَ مَعَ شُمُولِ عِنَايَتِهَا بِهِ.

وَالنُّفُوسُ لَا تُحِسُّ تِلْكَ الْحَالَةَ الَّتِي تُنْقَلُ إِلَيْهَا إِلَّا بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْجَسَدِ، كَمَا أَنَّ الْجَنِينَ لَا يُحِسُّ بِأَحْوَالِ هَذِهِ الدُّنْيَا إِلَّا بَعْدَ الْوِلَادَةِ، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ عزَّ عِزِّهِ: "النَّاسُ نِيَامٌ، فَإِذَا مَاتُوا انْتَبَهُوا"، وَإِنَّمَا نَوْمُهُمْ غَفْلَتُهُمْ عَمَّا بَعْدَ الْمَوْتِ، لِأَنَّ مَوْتَ الْجَسَدِ وِلَادَةُ النَّفْسِ وَهِيَ الرُّوحُ.

فَإِذَا تَأَمَّلْتَ يَا أَخِي مَا وَصَفْنَا وَتَحَقَّقَ لَكَ مَا ذَكَرْنَا، فَقَدْ تَهَيَّأَ لَكَ أَنْ تَصِيرَ بِالصُّورَةِ الْمَلَكِيَّةِ، فَتَكُونَ قَدْ حُزْتَ الْفَضِيلَةَ الْإِنْسَانِيَّةَ وَتَبَرَّأْتَ مِنَ الصُّورَةِ الْحَيَوَانِيَّةِ وَالصِّفَةِ الْبَهِيمِيَّةِ، وَتَصِيرُ مِنْ سُكَّانِ السَّمَاءِ بِرُوحِكَ الزَّكِيَّةِ وَنَفْسِكَ الْمُضِيئَةِ، وَتَصِيرُ صُورَتُكَ ذَاتِيَّةً نَفْسَانِيَّةً، وَرُوحُكَ قُدْسِيَّةً عَقْلِيَّةً، وَمَادَّتُكَ إِلَهِيَّةً.

وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَتَهَيَّأُ لَكَ ذَلِكَ بِالْمَعْرِفَةِ دُونَ الْعَمَلِ، وَلَا بِالْقَوْلِ دُونَ الْفِعْلِ، كَمَا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُكَ أَنْ تَكُونَ فِي الدُّنْيَا بِمُجَرَّدِ نَفْسِكَ وَلُطْفِ رُوحِكَ وَدُونَ جِسْمِكَ وَالْوَسَائِطِ الَّتِي بَيْنَ الْمَوْجُودَاتِ وَبَيْنَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْعَمَلَ هُوَ سُلَّمُ الْمِعْرَاجِ، وَالْمَعْرِفَةُ هِيَ النُّورُ الَّذِي يَسْعَىٰ بَيْنَ يَدَيْكَ، فَبِالسُّلَّمِ تَرْتَقِي وَبِالنُّورِ تَهْتَدِي.

الصفحة 226 من 261