وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ نُفُوسُهُمْ فَلَاسِفَةٌ بِالْقُوَّةِ، وَالْفَلَاسِفَةُ نُفُوسُهُمْ حُكَمَاءُ بِالْفِعْلِ، وَالْحُكَمَاءُ الْأَخْيَارُ مَلَائِكَةٌ بِالْقُوَّةِ، فَإِذَا فَارَقَتْ نُفُوسُهَا أَجْسَادَهَا كَانَتْ مَلَائِكَةً بِالْفِعْلِ، وَالْعِلْمُ إِنَّمَا هُوَ صُورَةُ الْمَعْلُومِ فِي نَفْسِ الْعَالِمِ، وَضِدُّهُ الْجَهْلُ وَهُوَ عَدَمُ تِلْكَ الصُّورَةِ مِنَ النَّفْسِ وَإِنَّ أَنْفُسَ الْعُلَمَاءِ عَلَّامَةٌ بِالْفِعْلِ، وَأَنْفُسَ الْمُتَعَلِّمِينَ عَلَّامَةٌ بِالْقُوَّةِ، وَإِنَّ التَّعَلُّمَ وَالتَّعْلِيمَ لَيْسَ شَيْئًا سِوَىٰ إِخْرَاجِ مَا فِي الْقُوَّةِ، يَعْنِي الْإِمْكَانَ، إِلَىٰ الْفِعْلِ، يَعْنِي الْوُjُودَ، فَإِذَا نُسِبَ ذَلِكَ إِلَىٰ الْعَالِمِ سُمِّيَ تَعْلِيمًا، وَإِنْ نُسِبَ إِلَىٰ الْمُتَعَلِّمِ سُمِّيَ تَعَلُّمًا، وَلَيْسَ التَّذَكُّرُ وَالتَّفَكُّرُ شَيْئًا سِوَىٰ لَمَحَاتِ النَّفْسِ ذَاتَهَا وَجَوْهَرَهَا إِلَىٰ نَفْسِهَا وَرُؤْيَتِهَا رُسُومَ تِلْكَ الْمَحْسُوسَاتِ مَطْبُوعَةً فِي ذَاتِهَا كَمَا يَنْطَبِعُ نَقْشُ الْفَصِّ فِي الشَّمْعِ الْمَخْتُومِ.
وَإِنَّ الْعِلْمَ قِنْيَةٌ لِلنَّفْسِ كَمَا أَنَّ الْمَالَ قِنْيَةٌ لِلْجَسَدِ، لِأَنَّ الْمَالَ يُرَادُ لِصَالِحِ أَمْرِ الْجَسَدِ، وَالْعِلْمُ يُرَادُ لِصَالِحِ أَمْرِ النَّفْسِ، إِنَّ نُفُوسَ الصِّبْيَانِ عَاقِلَةٌ بِالْقُوَّةِ، وَنُفُوسَ الْبَالِغِينَ عَاقِلَةٌ بِالْفِعْلِ، وَنُفُوسَ الْعُقَلَاءِ عَلَّامَةٌ بِالْقُوَّةِ، وَنُفُوسَ الْعُلَمَاءِ عَلَّامَةٌ بِالْفِعْلِ، وَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ عَالَمُ الْأَرْوَاحِ، وَكُلُّ صُورَةٍ رُوحَانِيَّةٍ لَا هَيُولَىٰ جُرْمَانِيَّةٍ، بَلْ حَيَاةٌ مَحْضَةٌ وَرَاحَةٌ وَلَذَّةٌ وَسُرُورٌ وَغِبْطَةٌ، لَا يَعْرِضُ لَهَا الْكَوْنُ وَالْفَسَادُ وَلَا التَّغْيِيرُ وَالْبِلَىٰ، وَإِنَّ النَّارَ وَجَهَنَّمَ هِيَ عَالَمُ الْأَجْسَامِ الَّتِي تَحْتَ فَلَكِ الْقَمَرِ الَّذِي هُوَ دَائِمٌ فِي الْكَوْنِ وَالْفَسَادِ وَالتَّغْيِيرِ وَالِاسْتِحَالَةِ وَالْبِلَىٰ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ هُوَ قَابِلَةُ الْأَرْوَاحِ وَدَايَةُ النُّفُوسِ، كَمَا أَنَّ الدَّايَةَ لِلْأَجْسَامِ هِيَ قَابِلَةُ الْأَطْفَالِ.




