وَأَنَّ لِلنَّفْسِ قُوَّتَيْنِ اثْنَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا عَلَّامَةٌ وَالْأُخْرَىٰ فَعَّالَةٌ، فَهِيَ بِقُوَّتِهَا الْعَلَّامَةِ تَنْزِعُ رُسُومَ الْمَعْلُومَاتِ مِنْ هَيُولَاهَا وَتُصَوِّرُهَا فِي ذَاتِهَا، فَتُكَوِّنُ ذَاتَ جَوَاهِرِهَا لِتِلْكَ الرُّسُومِ كَالْهَيُولَىٰ وَهِيَ فِيهَا كَالصُّورَةِ، وَبِقُوَّتِهَا الْفَعَّالَةِ تُخْرِجُ الصُّوَرَ الَّتِي فِي فِكْرِهَا وَتَنْقُشُهَا فِي الْهَيُولَىٰ الْجُسْمَانِيَّةِ فَيَكُونُ الْجِسْمُ عِنْدَ ذَلِكَ مَصْنُوعًا لَهَا، وَكُلُّ مُتَعَلِّمٍ عِلْمًا فَإِنَّ صُورَةَ الْمَعْلُومِ فِي نَفْسِهِ بِالْقُوَّةِ، فَإِذَا تَعَلَّمَهَا صَارَتْ فِيهَا بِالْفِعْلِ.
وَالْهَيُولَىٰ تُقَسَّمُ عَلَىٰ أَرْبَعَةِ أَنْوَاعٍ: مِنْهَا هَيُولَىٰ الصِّنَاعَةِ، وَهَيُولَىٰ الطَّبِيعَةِ، وَهَيُولَىٰ الْكُلِّ، وَهَيُولَىٰ الْأُولَىٰ، فَهُيُولَىٰ الصِّنَاعَةِ هِيَ كُلُّ جِسْمٍ يَعْمَلُ مِنْهُ وَفِيهِ الصَّانِعُ صَنْعَتَهُ، وَأَمَّا الْهَيُولَىٰ الطَّبِيعِيَّةُ فَهِيَ الْأَرْكَانُ الْأَرْبَعَةُ، وَأَمَّا هَيُولَىٰ الْكُلِّ فَهِيَ الْجِسْمُ الْمُطْلَقُ الَّذِي مِنْهُ جُمْلَةُ الْعَالَمِ، وَأَمَّا الْهَيُولَىٰ الْأُولَىٰ فَهِيَ جَوْهَرٌ بَسِيطٌ مَعْقُولٌ لَا يُدْرِكُهُ الْحِسُّ، وَذَلِكَ أَنَّهُ صُورَةُ الْوُجُودِ وَهُوَ الْهُوِيَّةُ، وَأَمَّا أَنْفُسُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَعِبَادِهِ الصَّالِحِينَ فَيُعْرَجُ بِهَا بَعْدَ الْمَوْتِ إِلَىٰ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَفُسْحَةِ الْأَفْلَاكِ وَتَتَخَلَّىٰ هُنَاكَ، فَهِيَ تَسْبَحُ فِي فَضَاءٍ مِنَ الرُّوحِ وَفُسْحَةٍ مِنَ النُّورِ وَرَوْحٍ وَرَاحَةٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَعَانِيَ فِي الْكَلَامِ كَالْأَرْوَاحِ وَأَلْفَاظُهَا أَجْسَادُهَا، فَلَا سَبِيلَ إِلَىٰ قِيَامِ الْأَرْوَاحِ إِلَّا بِالْأَجْسَادِ.




