وَاعْلَمْ بِأَنَّ النَّفْسَ تَتَوَهَّمُ أَنَّ خَارِجَ الْعَالَمِ فَضَاءٌ إِلَىٰ مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ، وَمَا يُشَاكِلُ هَذَا مِنْ أَفْعَالِهَا الْعَجِيبَةِ، وَتَتَصَوَّرُ بِقُوَّتِهَا الْوَهْمِيَّةِ أَنَّ الْفَضَاءَ جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، وَأَنَّ خَارِجَ الْعَالَمِ فَضَاءٌ لَا نِهَايَةَ لَهُ، وَأَنَّ الْمَادَّةَ جَوْهَرٌ أَسْبَقُ مِنْ نُشُوءِ الْعَالَمِ، وَأَنَّ الْجُزْءَ مِنَ الْهَيُولَىٰ يَتَجَزَّأُ أَبَدًا، وَمَا شَاكَلَ هَذِهِ الْمَسَائِلَ.
وَأَنَّ النُّفُوسَ الْمُتَجَسِّدَةَ الْخَيِّرَةَ مَلَائِكَةٌ بِالْقُوَّةِ، فَإِذَا فَارَقَتْ أَجْسَادَهَا كَانَتْ مَلَائِكَةً بِالْفِعْلِ، وَكَذَلِكَ النُّفُوسُ الْمُتَجَسِّدَةُ الشِّرِّيرَةُ هِيَ شَيَاطِينُ بِالْقُوَّةِ، فَإِذَا فَارَقَتْ أَجْسَادَهَا كَانَتْ شَيَاطِينَ بِالْفِعْلِ، وَاعْلَمْ بِأَنَّ النُّفُوسَ التَّامَّةَ الْكَامِلَةَ إِذَا فَارَقَتِ الْأَجْسَادَ تَكُونُ مَشْغُولَةً بِتَأْيِيدِ النُّفُوسِ النَّاقِصَةِ الْمُتَجَسِّدَةِ، لِكَيْمَا تَتِمَّ هَذِهِ وَتُكْمِلَ تِلْكَ وَتَتَخَلَّىٰ هَذِهِ مِنْ حَالِ النَّقْصِ وَتَبْلُغَ تِلْكَ إِلَىٰ حَالِ الْكَمَالِ، وَتَرْتَقِي هَذِهِ الْمُؤَيَّدَةُ أَيْضًا إِلَىٰ حَالَةٍ هِيَ أَكْمَلُ وَأَشْرَفُ وَأَعْلَىٰ، ﴿وَانَّ الَىٰ رَبِّكَ الْمُنْتَهَىٰ﴾(1).
وَأَمَّا الْأَعْرَاضُ الرُّوحَانِيَّةُ فَهَذَا فِي الْجَوَاهِرِ الرُّوحَانِيَّةِ، مِثَالُ ذَلِكَ إِذَا قِيلَ: "أَيْنَ الْعِلْمُ؟" فَيُقَالُ: "حَالٌّ فِي نَفْسِ الْعَالِمِ"، وَكَذَلِكَ السَّخَاءُ وَالشَّجَاعَةُ وَالْعَدْلُ وَمَا شَاكَلَهَا مِنَ الصِّفَاتِ حَالَّةٌ فِي النَّفْسِ، وَهَكَذَا حُكْمُ أَضْدَادِهَا.




