أَجْمَعَ، فَصَارَتْ مَعْرِفَةُ النَّفْسِ بِالْأَشْيَاءِ الَّتِي دُونَهَا فِي الشَّرَفِ بِطَرِيقِ الْحَوَاسِّ الَّتِي هِيَ الْمُبَاشَرَةُ وَالْمُمَاسَّةُ وَالْمُخَالَطَةُ وَالْإِحَاطَةُ، وَمَنْ كَانَ أَشْرَفَ مِنْهَا وَأَعْلَىٰ فَصَارَتْ مَعْرِفَتُهَا لَهَا بِطَرِيقِ الْبُرْهَانِ الَّذِي يَضْطَرُّ الْعُقُولَ إِلَىٰ الْإِقْرَارِ بِهِ مِنْ غَيْرِ إِحَاطَةٍ وَلَا مُبَاشَرَةٍ، وَصَارَتْ مَعْرِفَتُهَا بِذَاتِهَا وَجَوْهَرِهَا بِطَرِيقَةِ الْعَقْلِ، لِأَنَّ نِسْبَةَ الْعَقْلِ إِلَىٰ النَّفْسِ كَنِسْبَةِ الضَّوْءِ مِنَ الْبَصَرِ، وَكَنِسْبَةِ الْمِرْآةِ إِلَىٰ النَّاظِرِ فِيهَا، فَكَمَا أَنَّ الْبَصَرَ لَا يَرَىٰ شَيْئًا مِنَ الْأَشْيَاءِ إِلَّا بِالضَّوْءِ، وَكَالْإِنْسَانِ لَا يَرَىٰ وَجْهَهُ إِلَّا بِالْمِرْآةِ وَالنَّظَرِ فِيهَا، كَذَلِكَ النَّفْسُ لَا تَنْظُرُ ذَاتَهَا إِلَّا بِنُورِ الْعَقْلِ، وَلَا تَعْرِفُ حَقَائِقَ الْمَوْجُودَاتِ إِلَّا بِالنَّظَرِ إِلَىٰ الْعَقْلِ، وَإِنَّمَا يَتَسَنَّىٰ لِلنَّفْسِ النَّظَرُ إِلَىٰ الْعَقْلِ بِعَيْنِ الْبَصِيرَةِ إِذْ هِيَ انْفَتَحَتْ، وَإِنَّمَا تَنْفَتِحُ لَهَا عَيْنُ الْبَصِيرَةِ إِذَا هِيَ انْتَبَهَتْ مِنْ نَوْمِ الْغَفْلَةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْقُوَّةَ الْحَسَّاسَةَ لَيْسَتْ هِيَ مِنْ أَجْزَاءِ النَّفْسِ، كَمَا أَنَّ الْحَوَاسَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا عُضْوٌ مِنَ الْجَسَدِ وَجُزْءٌ مِنْهُ، وَلَكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا هِيَ النَّفْسُ بِعَيْنِهَا، وَإِنَّمَا وَقَعَتْ عَلَيْهَا هَذِهِ الْأَسْمَاءُ الْمُخْتَلِفَةُ مِنِ اخْتِلَافِ أَفْعَالِهَا، وَذَلِكَ أَنَّهَا إِذَا فَعَلَتِ الْإِبْصَارَ سُمِّيَتِ الْبَاصِرَةَ، وَإِذَا فَعَلَتِ الِاسْمَاعَ سُمِّيَتِ السَّامِعَةَ، وَإِذَا فَعَلَتِ الذَّوْقَ سُمِّيَتِ الذَّائِقَةَ وَهَكَذَا إِذَا فَعَلَتْ فِي الْجِسْمِ النُّمُوَّ سُمِّيَتِ النَّامِيَةَ، وَإِذَا فَعَلَتِ الْفِكْرَ وَالتَّمْيِيزَ سُمِّيَتِ النَّاطِقَةَ، وَإِنَّ النَّفْسَ فِي ذَاتِهَا جَوْهَرَةٌ، وَكَوْنُهُمْ مَعَ الْجِسْمِ بِالْعَرْضِ وَالطُّولِ لِغَرَضٍ مَا وَالْغَرَضُ هُوَ أَمْرٌ سَابِقٌ إِلَىٰ وَهْمِ الْفَاعِلِ، فَإِذَا بَلَغَ الْفَاعِلُ إِلَيْهِ قَطَعَ الْفِعْلَ.




