مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

الْعَسَلُ فِي مَعْرِفَةِ الْأَزَلِ - سَلْمَانُ طَاهِرُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 221 من 261

وَاعْلَمْ بِأَنَّ جَوْهَرَ النَّفْسِ أَلْطَفُ وَأَشَدُّ رُوحَانِيَّةً مِنْ جَوْهَرِ الْهَوَاءِ وَالضِّيَاءِ جَمِيعًا، وَالدَّلِيلُ عَلَىٰ ذَلِكَ قَبُولُ رُسُومِ سَائِرِ الْمَحْسُوسَاتِ، وَذَلِكَ أَنَّ جَوْهَرَ النَّفْسِ جَوْهَرٌ سَمَاوِيٌّ وَعَالَمُهَا عَالَمٌ رُوحَانِيٌّ وَهِيَ حَيَّةٌ بِذَاتِهَا، وَالنَّفْسُ أَيْضًا جَوْهَرَةٌ سَمَاوِيَّةٌ رُوحَانِيَّةٌ نُورَانِيَّةٌ خَفِيفَةٌ مُتَحَرِّكَةٌ غَيْرُ فَاسِدَةٍ، عَلَّامَةٌ إِدْرَاكُهَا لِصُوَرِ الْأَشْيَاءِ، وَإِنَّ مَثَلَهَا فِي إِدْرَاكِهَا صُوَرَ الْمَوْجُودَاتِ فِي الْمَحْسُوسَاتِ وَالْمَعْقُولَاتِ كَمَثَلِ الْمِرْآةِ، فَالْمِرْآةُ إِذَا كَانَتْ مُسْتَوِيَةَ الْكُلِّ مَجْلُوَّةَ الْوَجْهِ، تَتَرَاءَىٰ فِيهَا صُوَرُ الْأَشْيَاءِ الْجُسْمَانِيَّةِ عَلَىٰ غَيْرِ حَقِيقَتِهَا، وَإِذَا كَانَتِ الْمِرْآةُ صَدِئَةَ الْوَجْهِ لَا يَتَرَاءَىٰ فِيهَا شَيْءٌ الْبَتَّةَ.

وَخَلَقَ اللَّهُ الْأَرْوَاحَ مِنْ جَوَاهِرِ حِكْمَتِهِ لِتَسْتَقِرَّ بِجَوْهَرِهَا لِمَعْرِفَتِهِ، وَصَوَّرَ بِهَا صُوَرًا بِلَطَائِفِ صَنْعَتِهِ عَلَىٰ مِثَالِ صُورَتِهِ، وَجَعَلَ طُرُقَ الْوُصُولِ إِلَيْهِ بِعَدَدِ أَنْفَاسِ الْخَلَائِقِ، وَالرَّبُّ فِي كُلِّيَّةِ الْعَبْدِ رَبٌّ، وَالْعَبْدُ فِي كُلِّيَّةِ الرَّبِّ عَبْدٌ.

إِخْوَانُ الصَّفَا: "فَنَقُولُ إِنَّهُ لَمَّا كَانَ الْإِنْسَانُ مِنْ جُمْلَةِ مَجْمُوعَةِ بَدَنٍ جِسْمَانِيٍّ وَنَفْسٍ رُوحَانِيَّةٍ، صَارَ بِنَفْسِهِ الرُّوحَانِيَّةِ يُدْرِكُ الْعِلْمَ كَمَا أَنَّهُ بِجَسَدِهِ الْجُسْمَانِيِّ يَعْمَلُ الصَّنَائِعَ وَلَمَّا كَانَتِ النَّفْسُ فِي الرُّتْبَةِ الْوُسْطَىٰ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ، وَذَلِكَ أَنَّ مِنَ الْأَشْيَاءِ مَا هُوَ أَعْلَىٰ وَأَشْرَفُ مِنْ جَوْهَرِ النَّفْسِ، كَالْبَارِي تَعَالَىٰ وَالْعَقْلِ وَالصُّوَرِ الْمُجَرَّدَةِ مِنَ الْهَيُولَىٰ الَّذِينَ هُمْ مَلَائِكَةُ اللَّهِ الْمُقَرَّبِينَ، وَمِنْهَا مَا هُوَ أَدْوَنُ مِنْ جَوْهَرِ النَّفْسِ كَالْهَيُولَىٰ وَالطَّبِيعَةِ وَالْأَجْسَامِ

الصفحة 221 من 261