مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

الْعَسَلُ فِي مَعْرِفَةِ الْأَزَلِ - سَلْمَانُ طَاهِرُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 217 من 261

وَالْكَامِلَةِ، وَكُلَّمَا اتَّصَفَتْ بِصِفَةٍ سُمِّيَتْ لِأَجْلِ اتِّصَافِهَا بِهَا مِنْ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ، وَمَنْ لَيْسَتْ لَهُ بِدَايَةٌ مُحْرِقَةٌ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِهَايَةٌ مُشْرِقَةٌ، وَمَنْ لَا مُجَاهَدَةَ لَهُ لَا مُشَاهَدَةَ لَهُ.

وَاعْلَمْ بِأَنَّ النَّفْسَ الْكُلِّيَّةَ فَائِضَةٌ عَلَىٰ الْأَنْفُسِ الْجُزْئِيَّةِ دُفْعَةً وَاحِدَةً، مُبْذِلَةً لَهَا دَائِمَ الْأَوْقَاتِ، لَكِنَّ الْأَنْفُسَ الْجُزْئِيَّةَ لَا تُطِيقُ قَبُولَهَا الْأَشْيَاءَ إِلَّا شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ فِي مَمَرِّ الزَّمَانِ، وَالْمِثَالُ فِي ذَلِكَ فَيْضُ الْأَنْفُسِ الْجُزْئِيَّةِ بَعْضُهَا عَلَىٰ بَعْضٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَبَ الشَّفِيقَ وَالْمُعَلِّمَ الْحَرِيصَ عَلَىٰ تَعْلِيمِ تِلْمِيذِهِ يَوَدُّ أَنْ يُعَلِّمَ كُلَّ مَا يُحْسِنُهُ وَيَعْلَمُهُ لِتِلْمِيذِهِ دُفْعَةً وَاحِدَةً، وَلَكِنَّ نَفْسَ الْمُتَعَلِّمِ لَا تَقْبَلُ الْأَشْيَاءَ إِلَّا شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ عَلَىٰ التَّدْرِيجِ، ثُمَّ إِنَّ الْمَانِعَ لِلْأَنْفُسِ الْجُزْئِيَّةِ قَبُولَ فَيْضِ النَّفْسِ الْكُلِّيَّةِ دُفْعَةً وَاحِدَةً هُوَ لِأَجْلِ اسْتِغْرَاقِهَا فِي بَحْرِ الْهَيُولَىٰ وَتَرَاكُمِ ظُلُمَاتِ الْأَجْسَامِ عَلَىٰ بَصَرِهَا، لِشِدَّةِ مَيْلِهَا إِلَىٰ الشَّهَوَاتِ الْجُسْمَانِيَّةِ وَغُرُورِهَا بِاللَّذَّاتِ الْجُرْمَانِيَّةِ، فَمَتَىٰ انْتَبَهَتْ مِنْ نَوْمِ الْغَفْلَةِ وَاسْتَيْقَظَتْ مِنْ رَقْدَةِ الْجَهَالَةِ وَصَحَتْ مِنْ سَكْرَةِ عَمَايَتِهَا وَأَفَاقَتْ مِنْ غَمْرَةِ غَشْيَتِهَا وَأَخَذَتْ تَرْتَقِي فِي الْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ وَدَامَتْ عَلَىٰ تِلْكَ الْحَالِ، لَحِقَتْ بِالنَّفْسِ الْكُلِّيَّةِ وَشَاهَدَتْ تِلْكَ الْأَنْوَارَ الْعَقْلِيَّةَ وَالْأَضْوَاءَ الْبَهِيَّةَ وَنَالَتْ تِلْكَ الْمَلَاذَّ الرُّوحَانِيَّةَ وَالسُّرُورَاتِ الدَّيْمُومِيَّةَ الْأَبَدِيَّةَ الَّتِي كُلُّهَا أَشْرَفُ وَأَعْلَىٰ مَنْزِلَةً مِمَّا كَانَ فَوْقَ مَا تَقَدَّمَ قَبْلَهُ وَدُونَ مَا يَأْتِي بَعْدَهُ، وَأَنَّ وُجُودَ الْعَالَمِ عَنِ الْبَارِي لَيْسَ بِجُزْءٍ مِنْهُ، بَلْ فَضْلٌ تَفَضَّلَ بِهِ، وَفَيْضُ جُودٍ أَفَاضَهُ، وَفِعْلٌ فَعَلَهُ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، وَأَنَّ الْعَالَمَ مُحْدَثٌ مُخْتَرَعٌ مَطْوِيٌّ فِي قَبْضَةِ بَارِيهِ، مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ فِي بَقَائِهِ، مُفْتَقِرٌ إِلَيْهِ فِي دَوَامِهِ، لَا يَسْتَغْنِي

الصفحة 217 من 261