وَمَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ بِالذُّلِّ وَالْفَنَاءِ عَرَفَ رَبَّهُ بِالْعِزِّ وَالْبَقَاءِ، وَذَلِكَ بِسَبَبِ مُقَابَلَةِ مِرْآةِ الْعُبُودِيَّةِ لِمِرْآةِ الرُّبُوبِيَّةِ وَانْتِقَاشِ كُلٍّ فِي كُلٍّ، وَهُوَ مَعْنَىٰ قَوْلِهِ: "مَا وَسِعَنِي أَرْضِي وَلَا سَمَائِي وَوَسِعَنِي قَلْبُ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ"، وَمَتَىٰ عَرَفَ رَبَّهُ بِالْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ عَلِمَ السِّرَّ الْمَوْدُوعَ فِي حَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَعَلِمَ ادَمَ الِاسْمَاءَ كُلَّهَا﴾(1).
وَأَمَّا عَيْنُ الشَّيْءِ فَهُوَ الْحَقُّ، وَأَمَّا نِهَايَةُ السَّفَرِ الْأَوَّلِ: فَهُوَ رَفْعُ حُجُبِ الْكَثْرَةِ عَنْ وَجْهِ الْوَحْدَةِ، وَأَمَّا نِهَايَةُ السَّفَرِ الثَّانِي: فَهُوَ رَفْعُ الْوَحْدَةِ عَنْ وُجُودِ الْكَثْرَةِ الْعِلْمِيَّةِ الْبَاطِنَةِ وَأَمَّا نِهَايَةُ السَّفَرِ الثَّالِثِ: فَهُوَ زَوَالُ التَّقْلِيدِ بِالضِّدَّيْنِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ بِالْحُصُولِ فِي أَحَدِيَّةِ عَيْنِ الْجَمْعِ، وَأَمَّا نِهَايَةُ السَّفَرِ الرَّابِعِ: فَهُوَ عِنْدَ الرُّجُوعِ عَنِ الْحَقِّ فِي الْخَلْقِ فِي اضْمِحْلَالِ الْخَلْقِ فِي الْحَقِّ، حَتَّىٰ يَرَىٰ الْعَيْنَ الْوَاحِدَةَ فِي صُوَرِ الْكَثْرَةِ وَصُوَرَ الْكَثْرَةِ فِي عَيْنِ الْوَحْدَةِ وَأَمَّا وَجْهَا الْإِطْلَاقِ وَالتَّقْيِيدِ فَهُمَا جِهَتَا اعْتِبَارِ الذَّاتِ بِحَسَبِ سُقُوطِ جَمِيعِ الِاعْتِبَارَاتِ أَوْ بِحَسَبِ إِثْبَاتِهَا، فَإِنَّ ذَاتَ الْحَقِّ هُوَ الْوُجُودُ مِنْ حَيْثُ هُوَ وُجُودٌ، فَإِنِ اعْتَبَرْتَهُ كَذَلِكَ فَهُوَ الْمُطْلَقُ، أَيِ الْحَقِيقَةُ الَّتِي هِيَ مَعَ كُلِّ شَيْءٍ لَا بِمُقَارَنَةٍ، فَإِنَّ غَيْرَ الْوُجُودِ الْمَحْضِ هُوَ الْعَدَمُ الْمَحْضُ، فَكَيْفَ يُقَارِنُهُ مَا بِهِ مَوْجُودٌ وَبِدُونِهِ مَعْدُومٌ؟ غَيْرُ كُلِّ شَيْءٍ لَا بِمُزَايَلَةٍ، فَإِنَّ مَا عَدَاهُ هِيَ الْأَعْيَانُ الْمَعْدُومَةُ وَهِيَ غَيْرُ الْوُجُودِ، فَإِنْ فَارَقَهَا لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ، فَالْكُلُّ بِهِ مَوْجُودٌ وَهُوَ بِذَاتِهِ مَوْجُودٌ، فَإِنْ قَيَّدْتَهُ بِالتَّجَرُّدِ «أَيْ لِقَيْدٍ مَا» أَنْ لَا يَكُونَ مَعَهُ شَيْءٌ فَهُوَ الْأَحَدُ




