وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ شَابٌّ يَصْحَبُ الْجُنَيْدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَكَانَ إِذَا سَمِعَ شَيْئًا مِنَ الذِّكْرِ صُعِقَ فَقَالَ لَهُ الْجُنَيْدُ يَوْمًا: "إِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ لَمْ تَصْحَبْنِي"، فَكَانَ إِذَا سَمِعَ يَتَغَيَّرُ وَيَضْبِطُ نَفْسَهُ حَتَّىٰ يَقْطُرَ مِنْ كُلِّ شَعْرَةٍ قَطْرَةُ دَمٍ مِنْ بَدَنِهِ، فَلَمَّا كَانَ بَعْضُ الْأَيَّامِ صَاحَ صَيْحَةً تَلِفَتْ فِيهَا نَفْسُهُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: "الصَّحْوُ رُجُوعٌ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَىٰ الْإِحْسَاسِ، وَالسُّكْرُ بِوَارِدٍ قَوِيٍّ".
وَالْفَرْقُ بَيْنَ السُّكْرِ وَالْغَيْبَةِ: «فَالْغَيْبَةُ» أَنْ تَكُونَ بِوَارِدٍ مِنْ عِقَابٍ أَوْ ثَوَابٍ يُنْشَآنِ مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ وَقُوَّةِ الرَّجَاءِ، وَأَمَّا «السُّكْرُ» فَلَا يَكُونُ إِلَّا لِأَصْحَابِ الْمَوَاجِيدِ، فَإِذَا كُوشِفَ الْعَبْدُ بِنُعُوتِ الْجَمَالِ حَصَلَ لَهُ السُّكْرُ وَطَرِبَ الرُّوحُ وَهَامَ الْقَلْبُ، وَإِذَا كُوشِفَ بِأَوْصَافِ الْجَلَالِ ظَهَرَتْ مِنْ سُلْطَانِ الْحَقِيقَةِ صِفَةُ الْقَهْرِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْكَتَّانِيُّ: "جَرَتْ مَسْأَلَةٌ بِمَكَّةَ أَيَّامَ الْمَوْسِمِ فِي الْمَحَبَّةِ، فَتَكَلَّمَ الشُّيُوخُ فِيهَا، وَكَانَ الْجُنَيْدُ أَصْغَرَهُمْ، فَقَالُوا لَهُ: هَاتِ مَا عِنْدَكَ يَا عِرَاقِيُّ".
فَأَطْرَقَ رَأْسَهُ وَزَفَرَتْ عَيْنَاهُ ثُمَّ قَالَ: "الْمُحِبُّ عَبْدٌ ذَاهِبٌ عَنْ نَفْسِهِ، مُتَّصِلٌ بِذِكْرِ رَبِّهِ، قَائِمٌ بِأَدَاءِ حُقُوقِهِ، نَاظِرٌ إِلَيْهِ بِقَلْبِهِ، قَدْ أَحْرَقَ قَلْبَهُ أَنْوَارُ هَيْبَتِهِ، وَصَفَا شُرْبُهُ مِنْ




