قَالَ الشِّبْلِيُّ: "فَعَلِمْتُ أَنَّهُ مِنَ الْخَوَاصِّ أَرْبَابِ الْإِخْلَاصِ"، فَقُلْتُ لَهُ: "يَا حَبِيبِي، مَا حَقِيقَةُ الْمَحَبَّةِ؟"، فَقَالَ: "يَا شِبْلِي، الْمَحَبَّةُ حَبَّةٌ بُذِرَتْ فِي أَرْضِ الْقُلُوبِ وَسُقِيَتْ بِمَاءِ التَّوْبَةِ فَأَنْبَتَتْ سَنَابِلَ الْمَحَبَّةِ، فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ، فَلَوْ وُضِعَتْ مِنْهَا حَبَّةٌ لِأَطْيَارِ الْقُلُوبِ لَهَامَتْ فِي هَوَىٰ الْمَحْبُوبِ".
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: "دَخَلْتُ عَلَىٰ الشِّبْلِيِّ وَهُوَ يَنْتِفُ اللِّحَىٰ مِنْ حَاجِبَيْهِ بِمِنْقَاشٍ"، فَقُلْتُ لَهُ: "يَا سَيِّدِي، إِنَّكَ تَفْعَلُ هَذَا بِنَفْسِكَ وَيَعُودُ أَلَمُهُ إِلَيْكَ"، فَقَالَ: "وَيْحَكَ! أَظْهَرْتَ لِي الْحَقِيقَةَ وَلَسْتُ أُطِيقُهَا، فَأَنَا أُدْخِلُ عَلَىٰ نَفْسِي الْأَلَمَ لَعَلِّي أُحِسُّ بِهِ فَيَسْتَتِرُ ذَلِكَ عَنِّي، فَلَا وَجَدْتُ أَلَمًا وَلَسُتِرَ ذَلِكَ عَنِّي وَلَا لِي بِهِ طَاقَةٌ".
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْجُنَيْدُ: "كُنْتُ أَسْمَعُ السَّرِيَّ السَّقَطِيَّ يَقُولُ: قَدْ يَبْلُغُ الْعَبْدُ إِلَىٰ حَدٍّ لَوْ ضُرِبَ وَجْهُهُ بِالسَّيْفِ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ".
وَقَالَ الشِّبْلِيُّ: "وَكَانَ فِي قَلْبِي مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ حَتَّىٰ بَانَ لِي الْأَمْرُ كَذَلِكَ"، وَمِمَّا يَشْهَدُ لِصِحَّةِ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَىٰ: ﴿فَلَمَّا رَايْنَهُ اكْبَرْنَهُ وَقَطَعْنَ ايْدِيَهُنَّ﴾(1).




