وَلِلْمَحْوِ عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ عِدَّةُ مَعَانٍ، كُلُّهَا رَاجِعَةٌ إِلَىٰ مَعْنًىٰ وَاحِدٍ وَإِنْ تَعَدَّدَتْ.
وَمَنْ لَمْ يَعْرِفِ التَّعْدِيدَ أَنَّىٰ لَهُ مَعْرِفَةُ التَّوْحِيدِ وَالتَّنْزِيهِ وَالتَّجْرِيدِ وَمَحْوِ الْجَمْعِ، وَالْمَحْوُ الْحَقِيقِيُّ فَنَاءُ الْكَثْرَةِ فِي الْوَحْدَةِ، وَيُرَادُ بِهِ عِنْدَنَا التَّنْزِيهُ، أَيْ مَحْوُ الصِّفَاتِ عَنِ الذَّاتِ بِإِثْبَاتِ الْقُدَرِ وَنَفْيِ الصُّوَرِ.
وَالْحَيْرَةُ بِاللهِ عَيْنُ الْهِدَايَةِ، وَمَرَاتِبُ الْإِيمَانِ ثَلَاثَةٌ: «الْفِرَاسَةُ، وَالْمُكَاشَفَةُ وَالْمُشَاهَدَةُ»، فَالْمُشَاهَدَةُ عِبَارَةٌ عَنْ نُورٍ يَسْتَضِيءُ بِهِ السِّرُّ فَيَنْفِي عَنْهُ الْأَكْوَانَ، وَيَغْرَقُ فِي بِحَارِ الْحَالِ وَالْجُودِ، وَذَلِكَ بِشَرْطِ الْحِفْظِ وَمُرَاعَاةِ الْأَدَبِ فِي الْحِفْظِ وَالْعِلْمِ، وَتَرْكِ الْخُرُوجِ عَنِ الْحَقِّ قَوْلًا وَفِعْلًا، وَالثُّبُوتِ فِي الْحُضُورِ عِنْدَ فَنَاءِ الْغَيْبَةِ، وَمَنْ بَلَغَهَا فَهُوَ صَاحِبُ التَّمْكِينِ عَلَىٰ زَرَابِيِّ الْيَقِينِ، بِعِلْمِ الْيَقِينِ، وَعَيْنِ الْيَقِينِ، وَحَقِّ الْيَقِينِ، وَحَقِيقَةِ حَقِّ الْيَقِينِ وَهَذِهِ حَقِيقَةُ الْإِيمَانِ.
وَكَذَلِكَ مَقَامَاتُ الْمُؤْمِنِينَ فِي السُّلُوكِ إِلَىٰ اللَّهِ تَعَالَىٰ ثَلَاثٌ: أَوَّلُهَا الْقِيَامُ بِحَقِيقَةِ الْخِدْمَةِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَوْسَطُهَا السَّكِينَةُ وَهِيَ تَجْمَعُ قُوَّةً لِلْقَلْبِ فِي الدِّينِ، فَهِيَ إِذًا زِيَادَةٌ فِي الْإِيمَانِ وَقُوَّةٌ فِي نُورِ الْفِطْرَةِ، وَأَعْلَاهَا خَشْيَةُ الْقَلْبِ وَوُقُوفُهُ فِي الْوَجَلِ وَشَغَفُهُ وَاسْتِغْرَاقُهُ فِي




