بِمَعَانِيهِ، وَإِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ فَهُمْ كَالْهَبَاءِ فِي الْهَوَاءِ"، "أَنْتَ لَوْلَا فَيْضُ الْوُجُودِ هَبَاءٌ فِي هَوَاءٍ يُنْبَثُّ طَيَّ الْخَلَاءِ"، وَإِنْ تَحَقَّقْتَ ذَلِكَ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُتَكَلِّمِ أَنْ يَقُولَ "أَنَا" مُشِيرًا إِلَىٰ وُجُودِهِ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْحَالِ، لِأَنَّ شَرْطَ بَقَاءِ الْعَبْدِ فَنَاءُ أَنَانِيَّتِهِ فِي اللَّهِ، أَيْ حَقِيقَةِ وُجُودِهِ الَّتِي يُشِيرُ إِلَيْهَا بِلَفْظَةِ "أَنَا"، حَتَّىٰ لَا يَرَىٰ فِي الْوُجُودِ إِلَّا الْحَقَّ جَلَّ ثَنَاؤُهُ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَلِذَلِكَ قَالَ: "لَيْسَ أَنَا الْحَقَّ سِوَاءً"(1)، أَيْ لَيْسَ الْوُجُودُ الْحَقُّ إِلَّا أَنْتَ، لِمَا عَلِمْتَ مِنْ أَنَّ لَفْظَةَ "أَنَا" يُشِيرُ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا إِلَىٰ وُجُودِهِ، فَالْمُتَكَلِّمُ وَالْخِطَابُ وَاحِدٌ.
قَالَ لَبِيدٌ: «أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ»، أَيْ عَدَمٌ، وَقَدْ صَدَّقَهُ رَسُولُ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: "أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَتْهَا الْعَرَبُ"، قَالَ لَبِيدٌ:
فنىٰ وُجُودِي وُجُودُ الْهَوَىٰ | وَذَال فِي احْكَام حُكْمِي | |
وَاصْبَحْتْ ذَاتِي بِذَاتِ الضَّنَىٰ | كَالْعَرْضِ اللَّائِحِ فِي الْجِسْمِ |
وَمُجْمَعُ الْأَهْوَاءِ هُوَ حَضْرَةُ الْجَمَالِ الْمُطْلَقِ الْحَقِيقِيِّ، فَإِنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ هَوًىٰ إِلَّا بِشُعْبَةٍ مِنْ ضِيَائِهِ، وَإِنَّ الْأَشْيَاءَ بِذَاتِهَا لَا وُجُودَ لَهَا، وَإِنَّمَا وُجُودُهَا أَشِعَّةٌ مِنْ ضِيَاءِ الْوُجُودِ الْحَقِّ الْحَقِيقِيِّ الْمُنَزَّهِ الْبَرِيءِ مِنْ شَوَائِبِ الْعَدَمِ، فَلَنَا صِفَةُ الْإِمْكَانِ وَلَهُ تَعَالَىٰ صِفَةُ الْوُجُوبِ.




