وَهَذِهِ رُتْبَةُ أَهْلِ التَّمْكِينِ وَالشُّهُودِ الَّذِينَ يَرَوْنَ الْحَقَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ «عَيْنَ كُلِّ شَيْءٍ» سِوَىٰ تَقْيِيدِ الشَّيْءِ وَتَعْيِينِهِ، وَهُنَاكَ تَتَجَرَّدُ نَفْسُ الْمُوَحِّدِ بِمَقَامِ الْجَمْعِ عَنْ نَفْسِهِ لِاسْتِغْرَاقِهِ فِي بِحَارِ الْحَالِ، وَتَلَذُّذِهِ بِمُشَاهَدَةِ صِفَاتِ الْجَمَالِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَرُبَّمَا عَبَّرُوا بِالنَّفْسِ الْأُولَىٰ مِنْ قَوْلِهِ "تَجَرَّدَتْ نَفْسِي" عَنِ الْوُجُودِ الْحَقِيقِيِّ، وَبِالنَّفْسِ الثَّانِيَةِ عَنْ نَفْسِ الْمُتَكَلِّمِ، وَبِتَجْرِيدِهَا الدَّلَالَةُ عَلَىٰ التَّنْزِيهِ، وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَىٰ قَوْلُ الْمُنْتَجَبِ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ.
فَالْكَوْنُ جِسْمٌ وَهِيَ فِيهِ رُوحٌ، وَالنُّفُوسُ مَعْلُولَاتُ النَّفْسِ الْكُلِّيَّةِ الَّتِي هِيَ بَابُ الْوُجُودِ، وَعَلَىٰ اللَّهِ تَبْلِيغُ الْمَقْصُودِ، فَالْكَوْنُ فِي الْبَارِي لَا عَلَىٰ سَبِيلِ الْخُرُوجِ وَالدُّخُولِ وَالْبَارِي فِي الْكَوْنِ لَا عَلَىٰ سَبِيلِ الِاتِّحَادِ وَالْحُلُولِ، وَمَنْ تَحَقَّقَ بِالْحَقِّ غَابَ بِهِ عَنِ الْخَلْقِ وَكَانَ جَامِعًا لِجَمِيعِ الْجَمْعِيَّاتِ.
وَهَذَا مَقَامُ الْجَمْعِ وَالْبَرْزَخِيَّةِ الَّذِي يُقَابِلُونَهُ بِالْفَرْقِ، فَإِذَا كَانَ الْحَقُّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ، فَلَا يَرَىٰ فِي الْوُجُودِ إِلَّا مُفِيضَ الْإِحْسَانِ وَالْجُودِ عَلَىٰ أَهْلِ الْغَيْبَةِ فِي الشُّهُودِ، لِأَنَّ الْغَيْبَةَ عِنْدَهُمْ عَيْنُ الْحُضُورِ وَالظُّهُورِ، لِأَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ إِفْرَاطِ إِشْرَاقِ النُّورِ.




