مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

الْعَسَلُ فِي مَعْرِفَةِ الْأَزَلِ - سَلْمَانُ طَاهِرُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 154 من 261

وَلِلظِّلِّ فِي اصْطِلَاحِ الصُّوفِيَّةِ مَعَانٍ عَدِيدَةٌ، فَالظِّلُّ الْأَوَّلُ هُوَ الْعَقْلُ الْأَوَّلُ، فَإِنَّهُ أَوَّلُ عَيْنٍ ظَهَرَتْ بِنُورِهِ تَعَالَىٰ، وَظِلُّ الْإِلَهِ هُوَ الْإِنْسَانُ الْكَامِلُ الْمُتَحَقِّقُ بِالْحَضْرَةِ الْوَاحِدِيَّةِ، فَكَمَا أَنَّ ضِيَاءَ الْبَدْرِ يُشْهَدُ لَيْلًا وَلَا يُشْهَدُ مَعَ وُجُودِ الشَّمْسِ لِاسْتِيلَاءِ نُورِهَا عَلَىٰ ضِيَائِهِ، كَذَلِكَ وُجُودِي مَعَ وُجُودِ حَبِيبِي لِغَلَبَةِ سُلْطَانِ الْوُجُودِ عَلَىٰ كُلِّ مَوْجُودٍ، فَلَا وُجُودَ لِلْبَشَرِيَّةِ عِنْدَ سُلْطَانِ الْحَقِيقَةِ، وَالْمَوْجُودَاتُ أَشِعَّةُ ضِيَاءِ الْوُجُودِ، وَفِي الْحَقِيقَةِ لَا وُجُودَ لَهَا بِذَاتِهَا إِلَّا بِوُجُودِهِ، وَلَكِنَّهَا تُنْسَبُ وَيُنْسَبُ إِلَيْهَا الْوُجُودُ مَجَازًا، فَإِذَا تَجَلَّتِ الْحَقِيقَةُ غَرَبَتِ الظِّلَالُ وَهَذَا الْفَصْلُ بَيْنَ نُورِ الشَّمْسِ وَالْبَدْرِ لَيْلًا وَكَوْنُهُ مَعَ كَوْنِ حَبِيبِهِ إِنَّمَا يَظْهَرُ لِلْعَقْلِ وَلَا سَبِيلَ لِلْحِسِّ إِلَىٰ إِدْرَاكِهِ، وَالْحَقَائِقُ الْإِلَهِيَّةُ أَرْبَعَةٌ، وَهِيَ: الْحَيَاةُ، وَالْعِلْمُ، وَالْإِرَادَةُ، وَالْقُدْرَةُ.

فَالنُّفُوسُ تَؤُمُّ السَّمَاءَ، أَيْ تَقْصِدُهَا بِمَعْرِفَتِهِ تَعَالَىٰ، لِأَنَّهَا مَحَلُّهَا الْأَصْلِيُّ، وَكُلُّ مُتَحَرِّكٍ يَطْلُبُ اللُّحُوقَ بِعِلَّتِهِ، فَالْعَالَمُ الْعُلْوِيُّ حَيَاتُهُ بِالْمَاءِ الْحَقِيقِيِّ، وَالْعَالَمُ السُّفْلِيُّ حَيَاتُهُ بِالْمَاءِ وَالْعُشْبِ، وَاللَّطِيفَةُ الرَّبَّانِيَّةُ لَهَا بِهَذَا الْقَلْبِ الْجُسْمَانِيِّ الصَّنَوْبَرِيِّ الشَّكْلِ الْمَوْضُوعِ فِي الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ مِنَ الصَّدْرِ تَعَلُّقٌ، وَتِلْكَ اللَّطِيفَةُ هِيَ الْحَقِيقَةُ الْإِنْسَانِيَّةُ، وَيُسَمِّيهَا الْحَكِيمُ النَّفْسَ النَّاطِقَةَ.

وَالرُّوحُ بَاطِنُهُ، وَالنَّفْسُ الْحَيَوَانِيَّةُ مُرَكَّبَةٌ، وَهِيَ الْمُدْرِكُ الْعَالِمُ مِنَ الْإِنْسَانِ، وَعَلَيْهَا يَقَعُ الْخِطَابُ وَالْعِتَابُ، وَيُطْلَقُ الْقَلْبُ عَلَىٰ الْعَقْلِ وَهُوَ كَالْمَعْنَىٰ، إِذْ هُوَ مَلِكُ الْحَوَاسِّ وَهُوَ

الصفحة 154 من 261