وَعَنِ الْفِيثَاغُورِيِّينَ: "إِنَّ النَّفْسَ النَّاطِقَةَ خَالِدَةٌ لِأَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنْ مَصْدَرٍ خَالِدٍ، فَإِذَا تَخَلَّصَتْ مِنْ قُيُودِ الْجَسَدِ اتَّخَذَتْ لَهَا جَسَدًا آخَرَ بِالتَّقَمُّصِ، ثُمَّ لَا تَزَالُ تَنْتَقِلُ مِنْ جِسْمٍ إِلَىٰ آخَرَ حَتَّىٰ تَتَطَهَّرَ مِنَ الْخَطِيئَةِ وَتَعُودَ إِلَىٰ أَحْضَانِ الرُّوحِ الْعُظْمَىٰ الْعُلْيَا الَّتِي هِيَ جَوْهَرُهَا".
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَىٰ حَقِيقَةِ التَّنَاسُخِ قَوْلُهُ تَعَالَىٰ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾(1) وقَوْلُهُ تَعَالَىٰ ﴿افَعْيِينًا بِالْخَلْقِ الْاوِلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾(2).
وَإِنَّ أَفْلَاطُونَ مِنْهُ السَّلَامُ يَرَىٰ أَنَّ النَّفْسَ الْإِنْسَانِيَّةَ خَالِدَةٌ لَا تُحْدَثُ وَلَا تَتَغَيَّرُ، وَأَنَّهَا قَدْ مَرَّ عَلَيْهَا طَوْرٌ مِنَ الْوُجُودِ كَانَتْ فِيهِ بَعِيدَةً عَنْ هَذَا الْعَالَمِ السُّفْلِيِّ وَأَعْرَاضِهِ وَأَدْرَانِهِ كَانَتْ فِيهِ تَحْيَا نَاعِمَةً رَاضِيَةً، مُجَاوِرَةً لِلْإِلَهِ وَلِلْحَقَائِقِ الْخَالِدَةِ، مُتَمَتِّعَةً بِالْعِلْمِ الَّذِي يُظْهِرُهَا عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَيُمَثِّلُ فِيهَا كُلَّ شَيْءٍ، ثُمَّ هَبَطَتْ مِنْ ذَلِكَ الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ إِلَىٰ هَذَا الْعَالَمِ السُّفْلِيِّ، فَنَسِيَتْ مَا كَانَتْ تَعْلَمُهُ شَيْئًا فَشَيْئًا.
وَأَنَّ الْبَحْثَ عَنِ الْحَقَائِقِ يُؤَدِّي إِلَىٰ تَذَكُّرِهَا، فَالنَّفْسُ قَدْ نَسِيَتِ الْحَقَائِقَ عِنْدَمَا هَبَطَتْ مِنَ الْمَلَأِ الْأَعْلَىٰ إِلَىٰ هَذَا الْعَالَمِ السُّفْلِيِّ، وَكُلَّمَا أَمْعَنَتِ النَّفْسُ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الْعَمَلِيَّةِ وَمَا تَتْبَعُهُ مِنَ الْخُضُوعِ لِلْجِسْمِ اشْتَدَّ نِسْيَانُهَا لِلْحَقَائِقِ وَتَرَاكَمَ عَلَيْهَا الصَّدَأُ، وَعَمَلُ




