مِنَ الْفَاعِلِ الِاسْمِيِّ، وَلِكُلٍّ مِنْ هَذِهِ الْأَشْخَاصِ مَقَامٌ مَعْلُومٌ وَمَرْتَبَةٌ مَحْدُودَةٌ لَا يَتَعَدَّاهَا إِلَىٰ مَا سِوَاهَا، وَذَلِكَ كَنِسْبَةِ الْإِحْرَاقِ إِلَىٰ الزُّجَاجَةِ مَثَلًا، إِذْ لَوْ وُضِعَتْ زُجَاجَةٌ بِإِزَاءِ الشَّمْسِ فَإِنَّهَا تَعْكِسُ حَرَارَةَ الشَّمْسِ إِلَىٰ مَا وَرَاءَهَا، وَيَظْهَرُ تَأْثِيرُ الْإِحْرَاقِ، وَالزُّجَاجَةُ لِطَبِيعَتِهَا لَمْ تَتَغَيَّرْ، وَكَذَلِكَ الْفِعْلُ إِلَىٰ أَيِّ شَخْصٍ كَانَ فَمَصْدَرُهُ مِنَ الْفَاعِلِ الْقَدِيرِ، وَكُلُّ كَائِنٍ ذِي عَرَضٍ قَائِمٌ بِجَوْهَرٍ حَيٍّ، إِلَّا الْمُكَوِّنَ الْأَزَلِيَّ وَالْجَوْهَرَ الْمُطْلَقَ الْعَامَّ الْمُمِدَّ جَمِيعَ الْكَوَائِنِ الْعَالِي عَنِ الْأَعْرَاضِ وَالْأَنْدَادِ، وَالْكَوْنُ بِمَا فِيهِ مُفْتَقِرٌ إِلَىٰ فُيُوضَاتِ وُجُودِهِ وَشَآبِيبِ جُودِهِ".
إِلَىٰ قَوْلِهِ: "وَكَانَ يَغْلِبُ عَلَىٰ أَفْلَاطُونَ نَظَرِيَّةُ الْمِثَالِ، فَقَدْ كَانَ يَرَىٰ أَنْ لِكُلِّ مَوْجُودٍ مُشَخَّصٍ فِي الْعَالَمِ الْحِسِّيِّ مِثَالًا مَوْجُودًا غَيْرَ مُشَخَّصٍ فِي الْعَالَمِ الْعَقْلِيِّ، وَهَذِهِ الْمُثُلُ تُسَمَّىٰ بِالْمُثُلِ الْأَفْلَاطُونِيَّةِ، يُوَضِّحُ ذَلِكَ مَثَلًا رَأْيُهُ فِي الْجَمَالِ، فَقَدْ كَانَ يَرَىٰ أَنَّ هُنَاكَ جَمَالًا أَزَلِيًّا وَهُوَ مَعْنًىٰ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ غَيْرُ قَابِلٍ لِلتَّغْيِيرِ، وَمَا نُسَمِّيهِ جَمَالًا فِي عَالَمِنَا هُوَ مَا فِيهِ نَفْحَةٌ مِنْ ذَلِكَ الْجَمَالِ الْأَزَلِيِّ الْمُطْلَقِ".
وَعَلَىٰ رَأْيِ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمُتَصَوِّفِينَ الْإِسْلَامِيِّينَ وَالْأَكْثَرِيَّةِ مِنَ الْعُلَمَاءِ الدِّينِيِّينَ، أَنَّ الْبَارِيَ تَعَالَىٰ ظَاهِرٌ لِعَالَمِ الْعَقْلِ أَبَدًا، يُشَاهِدُونَهُ وَيَجِدُونَ بِذَلِكَ لَذَّةً لَا تُمَاثِلُهَا اللَّذَّاتُ الْمَادِّيَّةُ، فَكَمَا أَمْكَنَ وُجُودُهُ لِعَالَمِ الْعَقْلِ بِقَوْلِهِ تَعَالَىٰ: ﴿وَلَقَدْ رَاهُ بِالِافْقِ الْمُبِينِ وَمَا




