وَمِمَّا يُثْبِتُ رُوحَانِيَّتَهُ وَيُجِلُّهُ عَنِ النَّاسُوتِيَّةِ قَوْلُهُ تَعَالَىٰ: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا انْزِلَ عَلَيْهِ مَلِكٌ وَلَوْ انْزَلْنَا مَلِكًا لَقُضِيَ الِامْرُ ثُمَّ لَا يَنْظُرُونَ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلِكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَبِسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبَسُونَ﴾(1)، فَمَعْنَىٰ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ يَدُلُّ بِكُلِّ وُضُوحٍ أَنَّهُ مَلَكٌ رُوحَانِيٌّ، وَلَبَّسَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِبَشَرِيَّتِهِ وَشَاكَلَهُمْ بِالْمُجَانَسَةِ لِيَفْهَمُوا عَنْهُ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ، رَحْمَةً مِنْهُ تَعَالَىٰ وَعَدْلًا وَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْقُوَّةُ الْفَعَّالَةُ إِلَّا لِلْجَوْهَرِ الشَّفَّافِ وَالنُّورِ اللَّطِيفِ الْمُنْبَثِقِ مِنْ ذَاتِ الْكَمَالِ الْمُطْلَقِ الْعَامِّ.
وَفِي الْحَدِيثِ: "إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ قَبْضَةً مِنْ نُورٍ وَقَالَ لَهَا: كُونِي حَبِيبِي مُحَمَّدًا"، وَيَجِلُّ نُورُ اللَّهِ أَنْ يَحِلَّ فِي الْأَصْلَابِ وَيُتَصَوَّرَ فِي الْأَرْحَامِ، وَقَدْ قِيلَ: "لَا يُؤَدِّي عَنِ اللَّهِ إِلَّا مَا كَانَ مِنَ اللَّهِ، وَإِنَّ اللَّهَ نُورٌ، وَلَا يُؤَدِّي عَنْهُ إِلَّا نُورٌ".
ثُمَّ قَالَ: وَمِنْ كِتَابِ "فَضَائِلِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ"، وَأَحَادِيثِ أَبِي بَكْرَةَ وَابْنِ مَالِكٍ وَ"إِبَانَةِ ابْنِ بَطَّةَ"، وَ"كَشْفِ الثَّعْلَبِيِّ"، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَاذِبٍ قَالَ: "أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ عزَّ عِزُّهُ حَتَّىٰ كُنَّا بِغَدِيرِ خُمٍّ، فَنَادَىٰ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، وَكُسِحَ تَحْتَ شَجَرَتَيْنِ، وَجَمَعَ مِنْ أَغْصَانِ الشَّجَرِ وَعَمِلَهُ مِنْبَرًا، وَقَالَ: "يَا قَوْمِ، مَاذَا تَشْهَدُونَ؟"، قَالُوا: "قَدْ بَلَّغْتَ وَنَصَحْتَ، فَجَزَاكَ اللَّهُ عَنَّا خَيْرَ مَا جَزَىٰ نَبِيٍّ عَنْ أُمَّتِهِ"، قَالَ: "أَلَسْتُ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؟"، قَالُوا: "بَلَىٰ يَا




