مَشْكُورَةٌ مَسَاعِيهِمْ وَآثَارُهُمْ مُقَدَّسَةٌ"، وَبِاتِّفَاقِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مَا قَدْ أَوْرَدُوهُ شِعْرًا وَنَثْرًا أَنَّ النَّبِيَّ عزَّ عِزُّهُ مَا كَانَ يُرَىٰ لَهُ ظِلٌّ وَلَا نَجْوًىٰ، وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ بِذِي جِسْمٍ مُرَكَّبٍ مِنَ الْكَثَافَةِ، إِذِ الْكَثِيفُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ ظِلٍّ وَلَا يَقُومُ بِدُونِ غِذَاءٍ، وَذُو الْغِذَاءِ لَا يَخْلُو مِنَ النَّجْوَىٰ.
وَعَنْ جَابِرِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: "مَا كَانَ يَقَعُ ظِلُّ النَّبِيِّ عزَّ عِزُّهُ عَلَىٰ أَرْضٍ وَلَا يُرَىٰ لَهُ ظِلٌّ، لِأَنَّ الظِّلَّ مِنْ ظُلْمَةِ الْكَثَافَةِ، وَمَا مَشَىٰ مَعَ أَحَدٍ إِلَّا وَكَانَ أَطْوَلَ مِنْهُمْ بِرَأْسِهِ وَإِنْ كَانَ طَوِيلًا، وَلَا يَطِيرُ الطَّيْرُ فَوْقَهُ، وَكَانَ يُبْصِرُ مِنْ وَرَائِهِ كَمَا يُبْصِرُ مِنْ أَمَامِهِ وَكَانَ يَنْطِقُ بِلُغَاتٍ كَثِيرَةٍ، وَيَسْمَعُ فِي نَوْمِهِ كَمَا يَسْمَعُ فِي انْتِبَاهِهِ، وَكَانَ إِذَا مَشَىٰ عَلَىٰ الْأَرْضِ السَّهْلَةِ لَمْ يَبِنْ لِقَدَمِهِ الشَّرِيفَةِ أَثَرٌ، وَإِذَا مَشَىٰ عَلَىٰ الصُّلْبَةِ بَانَ أَثَرُهَا"، وَبِإِجْمَاعِهِمْ أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يَنْزِلُ بِالْوَحْيِ عَلَىٰ النَّبِيِّ بِصُورَةِ دِحْيَةَ بْنِ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيِّ، فَإِذَا سَأَلْنَا الْقَائِلَ بِبَشَرِيَّتِهِ: "هَلْ هُوَ أَفْضَلُ أَمْ جِبْرَائِيلُ؟"، فَلَا يُمْكِنُهُ الْإِقْرَارُ بِأَفْضَلِيَّتِهِ، فَنَقُولُ: "إِذَا جَازَ لِجِبْرِيلَ أَنْ يَتَلَبَّسَ بِأَيِّ صُورَةٍ شَاءَ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ جِبْرِيلَ وَأَقْرَبُ إِلَىٰ اللَّهِ وَسِيلَةً، فَمَا السَّبَبُ الْمُوجِبُ اسْتِحَالَةَ تَلَبُّسِهِ لِلْمُجَانَسَةِ، وَأَنَّهُ مِنْ عَالَمِ الْعَقْلِ لَا مِنْ عَالَمِ الْحِسِّ، كَوْنُ عَالَمِ الْعَقْلِ أَشْرَفَ وَأَلْطَفَ، فَعَلَامَ دَفْعُهُ عَنْ هَذِهِ الْمَزِيَّةِ الشَّرِيفَةِ؟!"




