إِلَىٰ قَوْلِهِ: فَالْأَجْسَامُ وَالْأَشْيَاءُ الْوَاقِعَةُ تَحْتَ الْحِسِّ أَعْرَاضٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَىٰ الْحَالِّ، وَهُوَ الْجَوْهَرُ، وَهُوَ الَّذِي يُقْصَدُ إِلَيْهِ بِالْإِشَارَةِ، وَهُوَ الدَّائِمُ الْبَاقِي بِالْجَوَاهِرِ لَا بِالْأَعْرَاضِ، لِأَنَّ الْأَعْرَاضَ قَائِمَةٌ بِغَيْرِهَا، وَمَوْجُودَةٌ لِأَجْلِ غَيْرِهَا، وَالْجَوَاهِرُ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا، مُسْتَغْنِيَةٌ فِي قِيَامِ وُجُودِهَا عَنْ سِوَاهَا، وَهِيَ فِي ذَاتِهَا حَقَائِقُ يُقْصَدُ بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهَا.
ثُمَّ قَالَ: اعْلَمْ، وَفَّقَكَ اللَّهُ وَإِيَّانَا، أَنَّ لِلْبَشَرِ عُقُولًا بِالْقُوَّةِ لَا بِالْفِعْلِ، وَهِيَ تُحَصَّلُ بِالْعِلْمِ وَالتَّعْلِيمِ، وَبِهَا تُدْرَكُ الْمَطَالِبُ، وَهِيَ الْآلَةُ لِلِاكْتِسَابِ، فَمَتَىٰ اتَّحَدَتِ الْعُقُولُ بِالنُّفُوسِ وَصَارَ الْعِلْمُ لَهَا كَمُلَتْ، وَوَاجَهَتِ الْعَقْلَ الْفَعَّالَ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، وَأَدْرَكَتِ الْمَعْلُومَاتِ وَجَمِيعَ الْمَطَالِبِ مِنْ جِهَةِ ارْتِسَامِ الْمَعْلُومَاتِ فِيهِ مِنَ الْجِهَةِ الْمُوَاجِهَةِ لَهَا، كَمَا أَنَّ ارْتِسَامَ صُوَرِ الْمَحْسُوسَاتِ عِنْدَ النَّظَرِ إِذَا كَانَ الْهَوَاءُ مُضِيئًا نَيِّرًا بِحُصُولِ بَعْضِ الْأَضْوَاءِ وَذَلِكَ يَكُونُ كَمُوَاجَهَةِ الْمِرْآةِ لِلْمَرْئِيَّاتِ، فَالنَّفْسُ الْمِرْآةُ، وَعِلْمُهَا وَتَعَلُّقُهَا كَصِقَالَةِ الْمِرْآةِ، وَأَنَّ صُورَةَ الْحَقَائِقِ مَوْجُودَةٌ فِي الْعَقْلِ الْفَعَّالِ بِالْقُوَّةِ وَالْفِعْلِ، وَالنَّفْسُ مُسْتَمِدَّةٌ مِنْهُ فَإِذَا وَاجَهَتْهُ عِنْدَ إِشْرَاقِهَا أَدْرَكَتِ الْمَعْلُومَاتِ فِي أَقْصَرِ وَقْتٍ وَأَيْسَرِ مُدَّةٍ، فَيَحْصُلُ لِلنَّفْسِ الِاكْتِسَابُ مِنْ جِهَتِهِ عَلَىٰ أَتَمِّ مَا يَنْبَغِي وَأَكْمَلِهِ.
فَلِذَلِكَ جَعَلَ مَعْرِفَةَ الْأُمُورِ وَاكْتِسَابَهَا مِنْ جِهَةِ النَّفْسِ بِالْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ، وَالْمَعْرِفَةُ تَتَقَدَّمُ عَلَىٰ الْعِلْمِ، لِأَنَّ كُلَّ عَارِفٍ عَالِمٌ، وَلَيْسَ كُلُّ عَالِمٍ عَارِفًا، إِلَىٰ أَنْ قَالَ:




