فِي هَذَا الْعَالَمِ، ثُمَّ قَالَ عَزَّ عِزُّهُ: "خُلِقَتْ أَجْسَامُنَا مِنْ طِينَةِ عِلِّيِّينَ، وَخُلِقَتْ أَرْوَاحُ شِيعَتِنَا مِنْ فَضْلِ تِلْكَ الطِّينَةِ"، فَعَرَّفَ أَنَّ أَجْسَامَهُمْ خُلِقَتْ مِنَ الْأَنْوَارِ الصَّافِيَةِ الَّتِي تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ نُورٍ وَاحِدٍ".
فَعُرِفَ أَنَّ النُّورَ الَّذِي يُقْصَدُ وَيُشَارُ إِلَيْهِ بِأَنَّهُ سَبَبٌ إِلَىٰ الْهِدَايَةِ، وَمُنَاسِبٌ لِلْأَنْوَارِ الْعَالِيَةِ، وَبِهِ الِاتِّصَالُ إِلَىٰ عَالَمِ الْإِلَهِ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ بِمَرَاتِبِ الْوُجُودِ، إِلَىٰ قَوْلِهِ: وَأَنَّ الْمَعْرِفَةَ لَا تَكُونُ تَامَّةً إِلَّا بِمَعْرِفَةِ الْمَعْقُولَاتِ وَالْأَنْوَارِ الْمُجَرَّدَاتِ، لِأَنَّ الْمَحْسُوسَاتِ أَعْرَاضٌ وَالْأَعْرَاضُ زَائِلَةٌ، وَلَا يُقَالُ لَهَا جَوَاهِرُ، لِأَنَّ الْجَوَاهِرَ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا، مُسْتَغْنِيَةٌ فِي حَقِيقَةِ وُجُودِهَا عَمَّنْ سِوَاهَا، وَالْأَعْرَاضُ لَا تَقُومُ إِلَّا بِالْجَوَاهِرِ، فَمَعْرِفَةُ اللَّهِ لَا تَكُونُ إِلَّا بِالشَّيْءِ الثَّابِتِ الدَّائِمِ، لِأَنَّ الْجَوْهَرَ دَائِمٌ بِدَوَامِ مَبْدَئِهِ، وَالْعَرَضَ فَآنٍ فَاسِدٌ، وَالْجَوْهَرُ لَا يَتَغَيَّرُ، وَإِنَّ الْمُجَرَّدَاتِ وَالْمَعْقُولَاتِ وَالنُّفُوسَ أَزَلِيَّاتٌ دَائِمَاتٌ بَاقِيَاتٌ، لَا يَلْحَقُهَا التَّغْيِيرُ، وَلَا الْفَسَادُ وَلَا الِاضْمِحْلَالُ.
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَأَنْتَ إِذَا نَظَرْتَ إِلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الْمَوْجُودَاتِ، وَجَدْتَهُ ذَا هَيْئَاتٍ مُتَكَثِّرَةٍ مُتَقَسِّمَةٍ، وَأَدْرَكْتَ كَيْفِيَّةً قَائِمَةً بِلَطِيفَةٍ، وَجَوْهَرٌ وَاحِدٌ قَائِمٌ بِالْكُلِّ، مَمْلُوءٌ نُورًا، وَهُوَ شَخْصُ الْبَابِ وَصِفَتُهُ وَنَعْتُهُ وَصُورَتُهُ الْمُفَاضَةُ مِنْ مُبْدِعِ الْكُلِّ وَوَاهِبِ الصُّوَرِ وَالْوُجُودِ.




