مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

خَيْرُ الصَّنِيعَةِ فِي مُخْتَصَرِ تَارِيخِ غُلَاةِ الشِّيعَةِ - الْجُزْءُ 1 - حُسَيْنُ مَيْهُوبُ حَرْفُوشٌ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 90 من 298

لم يكلنا إلى عقولنا فيما رخّصَ لنا في تركه مع العلّةِ التي فينا حتى أقام لنا دليلاً يدلّنا عليه، وبيَّنه لنا حتى صحَّ في عقولنا ويثبت في نفوسنا، لتكون الحجّة علينا، فلمَّا قطع عذرنا فيما بيَّنه لنا من دينه الذي تعبَّدنا، ووعدنا عليه جزيل الثواب، ولتركه أليم العقاب، فكيف يجوز للعدل الحكيم أن يتعبَّد خلقه بما لم يُرخّص لهم في جهله، ولا وسَّعَ عليهم في تركه، إذْ كان مِن أعظم فرائضه خطراً وأجلّها قدراً، بأن يكلهم في ذلك إلى عقولهم، أو يحيلهم فيه على استدلالهم.

***

حجّة شعرائهم على الغيب واستدلالاتهم

مع علمه باختلاف رأيهم وعجزهم عن الوصول إلى معرفة ذلك بغير دليل يدلُّهم عليه معصوم في تأديته، مأمور في تبليغه، ولمَّا كان لم يجُزْ أن يكلهم في معرفة هذه الفريضة الجليلة إلى عقولهم، ولا يحيلهم فيه على غائب باستدلالاتهم، ووجبَ إقامة الدليل على ماافترض عليهم من طاعته وطاعة الرسول الدّاعي إلى دينه القيِّم على خلقه الذين يدعون به إلى يوم القيامة، فقال: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَؤُونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (71) الإسراء﴾.

ولمَّا كان ذلك واجباً في عدل الله وحكمته، وفي الكتب الأربعة، دلائل وآيات تنفي بشرية الأنبياء، قلتُ: تأمَّل هذه الفلسفة، كيف أثبتوا وجود الحق بالبرهان، وهو لاتصح الشهادة بمن لايُرى، أم كيف تمكنُ معرفته، حتى قال شاعرهم:

قلْ لمن يزعمونَ جهلا بأنَّ اللهَ *** لم يَبْدُ للورى كيف يخفى

ليتَ شعري ماذنبُ مَن أنكروه *** لم يرَوْهُ ليثبتوه ويلغَى

والحكمة في ذلك أنه لم يكلهم إلى ضعف عقولهم للإستدلالات عليه لعلمه بأنهم عالم فساد ومزاج، ولو تكلّفوا ذلك لكان خطأً واعوجاجاً من حيث طبعهم ذلك، فظهر لهم وأشرع الشرائع وقنّن الأحكام، وفرض عليها الثواب، وحذَّر من العقاب.

وحيثُ أن الرسُل عالَمُ نورٍ ليس من طبعهم الغلط، فالمذهب الذي شرعوه ليس فيه شطط، وبقسم الضرورة لو كانوا بشراً يجري عليهم الخطأ لما كان في المذهب صواب، بل إنَّ ماتراءى للخلقِ من صور وتعاليم هي قدرة الله قلّبت قلوبهم وأبصارهم، كما قال: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110) الأنعام﴾، وقوله: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ (9) الأنعام﴾، وقوله: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54) آل عمران﴾، وقوله في محمَّد عز عزه: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ (198) الأعراف﴾، أي لايعرفون ماأنتَ.

وللغلاة احتجاجات يطول شرحها على أبناء الكتب من كتبهم، والطبيعيين من

الصفحة 90 من 298