والذي يدلّك على علوِّ مجدهم التأمُّل في مناقبهم وهجرتهم إلى بعضهم سابقاً، فلستَ ترى مدينةً تخلو منهم كما نصَّ أبو الخير سلامة الحدّا برسالته سنة (469) ه، والجديلي سنة (600) ه بكتاب التجريد.
ولو تأمَّلَ المتأمِّل بعين النصفة لوجَدَ هذه الشيعة (أي الغلاة) لدهرها قريعة، لأنها تفلسفت بعلومٍ قدسية، فلم تعبأ بالحسيَّات، وتروَّحت بعلوم جوهرية، فلم تلتفت إلى العرضيات، فلذلك لم ترهم يتكلّمون إلاَّ بما ينفع الروح أو يضرُّها وقوعاً، وقالوا لمن دونهم: ثم لاتجدوا لكم علينا به تبعاً.
ولهم من الكتب ماثبّته الفحصُ وبُنِيَ عليه البرهان.
***
فلسفة الغلاة
ومن فلسفتهم أنَّ الموجود على قسمين: إمَّا أن يكون من حيثُ هو عند ذاته، لاعند نظر أهل الصفاء وأهل الكدر غير قابلٍ للعدم البتة، وإمَّا أن يكون من حيث هو قابل للعدم البتة.
فالموجود التي تكون حقيقته من حيث هي غير قابلة للعدم: فهو المسمِّي بواجب الوجود لذاته، وهو الذي أوجدَ ظهوره في الخليقة، وباينهم في الحقيقة، لأنه كان ولا مكان، فشاءَ وأراد وقدَّرَ وقضى، وخلق الخلقَ معاً من عالم نوراني وجسماني بالنظر إليه لمعاينة موجودة غير مفقودة، لم يكن أن ينظروا إليه جميعاً إلاَّ من حيث شاكلتهم واستطاعتهم، كلُّ ذلك لتصحّ العبادة والشهادة، لأن العبد إن شهد بما لايراه كان كاذباً، وإن قال قائل: إنَّ ماأبداه من قدرته وإنفاذ مشيئته دلَّنا عليه أنه ربٌّ قادرٌ لانفاد لحكمه، ولا يُعارَضُ في إرادته.
فنقول له: إنَّ هذا الإعتقاد هو الوسواس، والبناءُ على غير أساس، بل الإعتقاد كما قال السيِّد أرسططاليس:" العيان شاهد لنفسه، والأخبار تدخل عليها الزيادة والنقصان، وأولى مانأخذه ماكان دليلاً على نفسه بنفسه ".
كما قال:" خُذ ماتراه، ودَع شيئاً سمعتَ به... إلخ ".
فقول أرسطو قولٌ حتمٌ وأمرٌ مبرمٌ، لايُنقَضُ بوجهٍ من الوجوه.
وقولهم: ووجدنا أنَّ الله تعبَّد خلقه بالإيمان به وبرسوله بقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ (1) الأنفال﴾، وقوله: ﴿وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71) الأحزاب﴾
فهل يمكن ردّ هذا القول والعمل بخلافه، والعياذ بالله أن نعصيه بما تديَّنَّا إليه، وقد قال: ﴿وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ... (14) النساء﴾.
وكان الله عزّ وجلّ ظهوره لنا تمام الحكمة، لالأنه محتاج إليه جلّ إسمه، لأنه




