مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

خَيْرُ الصَّنِيعَةِ فِي مُخْتَصَرِ تَارِيخِ غُلَاةِ الشِّيعَةِ - الْجُزْءُ 1 - حُسَيْنُ مَيْهُوبُ حَرْفُوشٌ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 88 من 298

مُلْك الغلاة واتّساعه وتداوُلُ علمهم

أذكِّركَ أيها الأخ الواقف على هذا الكتاب بعصرٍ كان الغالب فيه على ملوكه العارفين معرفة الأنزع البطين، فكأنما كان مَن عرف التوحيد مُتَّسِعُ الخاطر طاهر الحواس، وهو العصر الذي كان فيه شيخنا رضي الله عنه مقيماً بحلب.

ولقد كان الأمير الممير مُعِزّ الدولة رجلاً فاضلاً فيلسوفاً حاذقاً، ملك كتاب الجفر، وأظهر من ذلك الكتاب أشياءً جليلة وعلوماً خطيرة، وأظهر علوماً كثيرة من العلوم المضيئات عن هذا العالِمَ، واستخرج ذلك جميعه من كتاب الجفر، وعرف التوحيد، وأحكم عقد نطاقه، وكان فاضلاً ذكيّاً، صنَّف رسائلاً وأدعية في الباطن وعلى مذهب التشيُّع والإمامة، وصنّف في علم الفلك، وإنه أتى بأشياء يطول تعديدها وشرحها.

إنَّ مُلْكَ الغُلاة كان شمالي جزيرة العرب والبلاد الشرقية، فكان رأس باش ملكاً في الديلم سنة (397) ه وغيره من بني بويه بالعراق، والعدويين والتغلبيين بحلب والشمال، وبني العريض في الشام وطبريا وجهاتها سنة (360) ه، وبني تنوخ في الثغور البحرية سنة (347) ه كاللاذقية وطرابلس وغيرها.

وقد نصّ صاحب كتاب حياة الحيوان أنَّ بني بويه لَمَّا انتظم لهم الملك واتّسقَ أمرهم بأيام عضد الدولة: كانت تخلع الخليفة وتُنصِّبُهُ، حتى لم يكن لبني العباس إلاَّ الإسم، ألا ترى إلى قول أحدهم، وهو:

عجبتُ لمن له الدنيا كمثلي *** ومنها ليس شيءٌ في يديْهِ

حتى أن عضد الدولة أسمى نفسه " معين المؤمنين " بدلاً من " أمير المؤمنين " لحديث عليّ:" لايقولها بعدي إلاَّ كلُّ مأبونٍ في عقله، مفتونٍ في دينه ".

ولولا هذا التلقُّب بإمرة المؤمنين صار خليفة، وقسم الملك على أولاده الأربعة، وحكمَ من بني بويه أكثر من ثلاثين ملكاً، وهم أول من لُقِّبُوا بالإسلام ملوكاً، حتى قال الشاعر

بعضد الدولة:

عضدُ الدولة وابنُ رُكْنِها *** مَلِكُ الأملاكِ غَلاَّبُ القدَرْ

فلم يمكث بضع أيام حتى ابتلاه الله بداء الفالج سنة (391) ه، ومات، وغيره مذكور في تواريخ الشيعة والسنّة غنينا عنه هاهنا لئلاَّ يطول الشرح فيخرجنا عن الغرض.

وتداول هذا العلم الباطن قرناً فقرناً ممَّن ملكوا القلاع والحصون بعدهم من أبناء العريض وبني محرز وبني الأحمر وأشكالهم، مع التحكُّم والأمر المطاع، فما خلوا القومَ من العلم والفضل والتصنيف إلى زمننا هذا.

الصفحة 88 من 298