ويُمليه ويدّخره إلى أهله ويجليه، ولعلَّ ذلك كان إمَّا ترادُفُ مِحَنْ مريعةٍ ومصائب زمنٍ وجيعةٍ لم تمكِّن أهلها من أن تكون بسرِّه مذيعة.
نشأ التفنُّن في الغلاة من أول القرن الرابع إلى آخر القرن السابع، حتى بسطوا من العلم كنوزه، وكأنهم كانوا في المدن والأمصار، فدهمتهم أيدي الأغيار فلوَّعتهم، فجابوا المفاوز والقفار، وضاعت تلك العلوم التي كانوا يُمَتَّعون بها، فكانت هي الفجيعة، وخافوا من أن يضيع علم التوحيد، فتمسّكوا بأهدابه وجعله كلُّ منهم دأبَهُ، وأسقطوا كلّ علمٍ سواه ليكون هو المأخوذُ بِلِوَاه:
حملوا كلّ ماغلا ثمناً أو *** خفَّ حمْلاً فكان فيه اكتفاء
***
ولم يزلْ التوحيد ينمو وأهلُهُ تجِدُّ حتى بلغ غوره رُبَى نجد وغاية المجد، ألاَ ترى إلى شعرائهم من القرن الثامن فصاعداً كان تغزُّلُهم بالظهورات والقدر لابالدمى والمدر، إلى هذا العصر، حتى تفننوا بالعلوم لديهم، فإذا هي بضاعتهم رُدَّت إليهم كبني بويه سنة (440) ه، وبني العريض الغسانيين سنة (399) ه، والمحارزة والعدويين سنة (316) ه.
ولقد زها لهم العصر، ولاحت لهم أعلام النصر سنة (340) ه، وهو العصر الذي عَنَاهُ أبو صبح الديلمي (1)، وإليك نصّه:" كان الغالِبُ على الملوك كلمة التوحيد، وكان أبو الحسن رايق بن الخضر الغساني ممَّن ملك طبريا وطرابلس وما يلي تلك الجهات والنواحي، ملكها بعده ولده محمد بن رايق في زمن الأمير سيف الدولة علي بن عبد الله بن حمدان العدوي سنة (347) ه صاحب حلب.
وفي ذلك الوقت كان بدر بن عمار والياً على طرابلس من قبل محمد المذكور، وكان الحسين بن إسحاق التنوخي يومئذٍ صاحب اللاذقية سنة (353) ه، وكان أبو العشائر من بني حمدان العدوي التغلبي لامن بني حمدان الخصيب كتب له الخصيبي رقعة فيها هذه الأبيات، وغيره من المؤمنين الكبار ديناً ودنيا، وكذلك كان تغلباً بن داوود بن تغلبة العدوية أيضاً من الصدور الكبار أميراً مشتغلاً في الدين والدنيا.
والأبيات التي كتبها الشيخ الخصيبي إلى أبي العشائر مبثوثة في ديوانه، أولها: (عبد العيون ياذا الأمير).
***
(1) - في نسخة: أبو صالح الديلمي.




