ولَطالما تتألَّق بوارق العبقرية النادرة بكلكله العامر، المتبلور بنور الإسلام المضيء الزاهر، ومحض الإيمان المكين الرابض في خلده المخلص النابض: فقد كان طفلاً ويافعاً وكهلاً وشيخاً طائعاً، رحماكَ الله ياحسيناه وحباك، فيالك راحلاً تهدَّمت أركان العُلى لفقده، وثُلَّتْ تيجان عرش الفخار لزواله، لعمرك لم تألُ جهداً في التجرُّد والإخلاص والطاعة لله الواجبة، منعكفاً على العبادات والصلاة المكتوبة الفرضية، ولم تنفكّ شديد المحافظة على إقامة الحدود الربانية الحقّية، دائباً على أداءِ السنن الرحمانية المندوبة، تبتغي الزلفى والوسيلة إلى ولوج ملكوت العزيز الجبار، والتمتُّع بحظيرة القدس دار القرار، إلى أن تمَّ لك ماأعطاك ربّك وأرضاك من حفاوة رهانك العظيم، التراث الأبدي والنعيم السرمدي، حتى حزت قصب العلياء والجاه، فائزاً بما تؤمله وتتمنّاه، ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30) الفجر﴾، الله أكبر.
سيِّدي: قد سبرتك خبرة، وعاشرتك حقبة، فلم ألقَ من كعبك العالي إلاَّ هدىً وتقوى، ديناً قيِّماً وصراطاً قويماً، وملّةً ناجمة، وحقيقة واضحة، وطريقة صحيحة، وعقيدة راسخة، وشريعة ناسخة، ونجاداً نسباً، وشذىً ذكيّاً، وإماماً مرشداً، ومحدِّثاً مُسَدِّداً، وعالماً بارِعاً، وعابداً خاشعاً، وجهبذاً مدرهاً، وخطيباً مفوَّهاً، تتفجّر من جوانبه ينابيع الحكمة، فتفيض نواحيه زغارب الهداية، تضيئها مصابيح النور، وتشعُّها مزاكي الديجور، فواعجباً لهذه الربوع الخضرة النضيرة كيف لاتتهيَّل، ولهذه الجموع المكتظّة الغفيرة لِمَ لاتتساءل ‘مَّا أعدَّه الله لهذا العبد الصالح، وشرواه من المؤمنين العارفين الأعلام، والعالمين العاملين الأكياس، ممَّا لاعين رأتْ ولا أذن سمعتْ، ولا خطرَ على قلب بشر، من الْمِلَحِ الضافية الخلاّبة، والمنح المزدانة الجّابة، وفيها ماتشتهيه الأنفس وتلذُّ الأعين، وأنتم فيها خالدون، الله أكبر.
وبعد هذا وذاك كأنَّ رائدنا الصدر الأنور والمجتهد الأكبر، رفع الله درجته ونوّر ضريحه، كثير الأناة، رزين الحصاة، صادق اللهجة، صافي الطوية، محب العترة، مستقرّ الولاية، ثابت اليقين، مستمسكاً بالعروة الوثقى وحبل الله المتين، ماادّخر وسعاً في الجدِّ المجدي والعزم العتيد، راجياً بهمته الكبرى غدوات الجهاد الأصغر (1)، وندوات الجهاد الأكبر (2) منذ نعومة أظفاره، فلا لانت قناته، ولا وهنتْ صفاته، حتى لحق بالرعيل الأول سواسية مع القوم المؤمنين الأفذاذ الذين صدقوا ماعاهدوا الله عليه وصدَّقوا برسالات ربهم السماوية.
وسرعان مايرى الحق ولو على حميمه ونفسه، ويفوه الصدق وإن فيه تلفه وحتفه، لاتأخذه في الله لومة لائم، شغله الشاغل ذكر الله الدائم، ولذكر الله أكبر.




