مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

خَيْرُ الصَّنِيعَةِ فِي مُخْتَصَرِ تَارِيخِ غُلَاةِ الشِّيعَةِ - الْجُزْءُ 1 - حُسَيْنُ مَيْهُوبُ حَرْفُوشٌ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 77 من 298

وذهبتُ إلى دمشق فغبتُ قليلاً، وعدتُ إلى قريتي، فأُخبِرتُ على الطعام بأن شيخي قد انتقل إلى رحمة الله، فغصصتُ باللقمة الأولى وعفتُ الطعام، وإلى الآن لاأزال أتساءل: أعليه حزنتُ أم على نفسي كان الحزن والأسفُ؟

فياسيِّدي: كان فيما دار بيننا من حديث دروس غالية بدأتها أنتَ ولم يتمّها الزمّن، فهل تأذن لي الآن بأن أتقدَّم بعضها في ذكراك الأولى؟ فإني أهفو إلى إعادتها وتكرارها، وسيكون منها فوائد لي ولأبناء قومي.

تقوم الآن معركة - لعلّها في بدايتها - بين الشيوخ والشباب، بين جيلين متفاوتين متمايزين، فمَن سيكون الحكمُ؟ وما هي وسائله التي سيفصل بها؟

- زعمَ قومٌ أنَّ المسؤول الأول هم الشباب (أي الجيل المتفتح الواعي).

- وزعم قوم أن المسؤول هم الشيوخ (العصبة الأولى ممَّن خبروا الطريق وعرفوا دروبه ومسالكه).

- وقال آخرون: إنه منطق الحياة ذاتها، فالقضية قضية صراع بين عقليتين.

فياسيِّدي: تُرى هل الشباب مسؤولون أم الشيوخ مسؤولون؟ أم إنه الصراع حقّا بين عقليتين، عقلية اطّلعَتْ على الجديد وآمنت بالتطور فعملت له، وعقلية رأت القديم فتعلّمته وتحجّرتْ عليه، ووقفتْ أمام كل تطوّر تدفعه بالمنكب والبنان لتمنع سير الحياة الطبيعي؟

وإذا صحّ أن الصراع قائم بين عقليتين: فمن يمثِّل العقلية الواعية المتفتحة؟ ومَن يمثِّل العقلية الجامدة المتحجّرة؟

أمَّا أنا: فلقد سمعتُ مرّة على حد المنابر شاباً في العشرين يفتتح خطابه في حفلة عيد متمثّلاً بقول أعمى المعرّة:

تعَبٌ كلُّها الحياةُ فما أعجبُ إلاَّ من راغبٍ بازديادِ

وسمعتُ شيخاً في الستين يقاطعه ويقول متأفِّفاً: ماالذي أتعبَكَ وأنتَ في شبابك الأولى؟

لقد حكيتُ لك القصّة ياسيِّدي وسألتك: أيهما الشاب...؟

فابتسمت ابتسامتك الكريمة التي كانت أبلغ جواب.

رماني شيخٌ بالكفر مرّة لأني قلت له إنَّ طبيعة الحياة في عصرنا تفرض مشاكل قد تكون عند الله وفي نظر الإنسان أهمّ من الصلاة، وذلك كمكافحة الفسق، والسعي إلى إنقاذ هذا الشعب من الوضع المتردّي الذي آل إليه زاعماً - غفر الله له - أنَّ الإسلام شرّع الصلاة قبل أن يشرِّع سواها، وهادمها كافر، لأنها ركن من أركان الدِّين، مَن هدمها فقد هدم الدِّين، فكأني بقولي ذلك هدمتُ له الصلاة رحمه الله.

ولقد ذكرتُ لك الحادثة ياسيِّدي وسألتُكَ رأيكَ، فكان جوابك الذي لن أنساه

الصفحة 77 من 298