كلمة الأستاذ جميل حسن - عين شقاق
في ذكرى المرحوم الشيخ حسين ميهوب حفوش
حقُّ الفقيدِ عليَّ أنْ أوفِّيه دَيْنَهُ دمْعاً صادق السكب، حقّه أن أذكره بلهفةٍ وحرقة، وما أدري أعليه أبكي؟ أفي مأتمه أتالَّم؟ أم أنه البكاء على حظِّي العاثر الذي لم يمتّعني برؤياه إلاَّ لحظات عابرة، لم تروِ غُلَّة ولم تقضِ لُبانة، حقُّه أن يكون صوتي في ذكراه صوت الشاعر الذي يتفجّر باللوعة والأسى:
لو كنتُ فيهم حاضراً *** لبكيتُ إبَّانَ الوفاةْ
لَذَرَفْتُ في ألم وفي صدق *** دموعي الساخنات
وحملتُ في طرف الجنازةِ *** سائلاً ربي النجاة
ووقفتُ في ورَعٍ أطأطىءُ *** هامتي فوق الرُّفاةْ
وبعثتُ للمرحوم تقديري *** على رأسِ الهِبات
***
أمَّا الشعرُ فهو ترجمان الشعور، وقد أدَّى ماعليه، وجادَ بقصيده الذي أحتفظ به لنفسي أرجع إليه وأتعزّى به كلما ذكرتُ الفقيد الكريم.
وأمَّا المناسبة مناسبة الإحتفال بذكراه، فقد دفعت بي إلى أن أتكلّم بغير الشعر، عَلَّ سائلاً عن سرِّ صلتي الروحية بالمرحوم، ومدى صدق تألُّمي لفقده: يجد في النثر من الخُبر فوق مايمكن أن يراه في الشعر الذي إنما يُسجّل تجربتي العاطفية فقط دون أن يشير إلى الخطوط العامة التي أقصد إليها، ولعلِّي أرمي من وراء ذلك إلى ماهوا أبعد هدفاً وغايةً، فأذيعَ مادار بيني وبينه من حديث كثرت شجونه وتشعّبَتْ أشجانُهُ.
كانت اللقيا الأولى بيننا منذ خمس سنوات، وكانت لُقيا من نوعٍ خاص، وصلَ إلى يدي كرّاس مخطوط يسمَّى بمراجعات الشيخ سليمان الأحمد، والمراجعات أشهر من أقدِّمها للناس، وقرأتُ كلّ الرسائل والردود الواردة في الكرّاس، وكنتُ حديث عهد بقراءة المخطوطات الدينية، وكان فيما قرأتُ رسالة من الشيخ حسين ميهوب، فوقفتُ عندها وأعدّتُ قراءتها، وبالطبع لم أكن أعرف صاحبها، ولم أكن قد سمعتُ به أصلاً، فلمَحْتُ فيها روح صاحبها، وتوسَّمتُ به إنساناً من نوعٍ خاصَ، يقول مايعتقده ويراه غير متأثر إلاَّ بشرف العلم وفضيلة الحقيقة، فتمنّيتُ أن أراه وأتعرَّف عليه، ورحتُ أسعى لذلك، وما زلتُ أسأل عنه وأزداد محبّة له ممَّا كنتُ أسمع عن صدق نظرته وقوّة حجّته وسعة اطّلاعه، وجرأته في الحق، حتى هيَّأ الله لي على يد الزميل الأخ أحمد حرفوش أن ألتقي بالشيخ الكريم لُقيايَ الأولى التي بنيتُ عليها الآمال الزاهرة الواسعة، ولسوء حظِّي كانت اللقيا الأولى والأخيرة، لقيته في تلك المرّة وكنتُ على سفرٍ لابدَّ منه، ووعدتُ نفسي ووعدتُ الشيخ بأن أزوره لبيته متفرِّغاً مدّةً، ولقيتُ عنده الترحيب والتشجيع،




