مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

خَيْرُ الصَّنِيعَةِ فِي مُخْتَصَرِ تَارِيخِ غُلَاةِ الشِّيعَةِ - الْجُزْءُ 1 - حُسَيْنُ مَيْهُوبُ حَرْفُوشٌ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 75 من 298

كل ذلك بحماسة واهتمام وجدتُهُ، فكان مؤمناً بالقومية العربية، وسياسة التحرُّر والوحدة والحياد الإيجابي، لايجد أي تناقض بين ذلك وبين كونه علماً من أعلام رجال الدِّين في هذه الربوع.

وعندما كنّا لانزال نُجلَدُ بالسياط، ونُنْبَذُ ونُحارَبُ من هذا المجتمع لأننا كنّا نحمل راية القومية العربية، ونبشِّر بفكرة الوحدة، وننادي بمبادىء الإشتراكية: كان فقيدنا الجليل دائماً يقف معنا ويؤيِّدنا في آرائنا وأفكارنا ومواقفنا، وما أنسَ لاأنسى موقفه من ذلك المهرجان الذي عُقِدَ في هذا المكان المقدّس من الأرض منذ سنوات عديدة، والذي اشتركت فيه طلائع النضال العربي، حيث كان يكتفِ باستقبالنا وتأييدنا ساعتئذٍ، وكان مجرّد تأييدنا في ذلك الوقت يعتبر خطوة جريئة في التحرُّر والتقدمية، ولكنه أسهم معنا إيجابياً وقام فينا خطيباً كأنه واحدٌ من الشباب الذين كانوا يشكّلون طلائع النضال العربي، فضرب بذلك أكبر مثل في التحرُّر والتقدمية، وأعطى الرجعيين والمتزمّتين درساً سابقاً في فهم الدِّين ومعنى التديُّن، وأعلنَ أن الدِّين والإيمان بالله والتمسُّك بعبادة الله لايتعارضان مع القومية العربية، ولا مع المبادىء التقدمية والسياسية التحررية، بل أنَّ حبّ الوطن وحبّ الأمّة هما من الأمور التي يكتمل بها الإيمان بالله، ويزداد بها الإنسان قرباً من الله.

وأشهدُ أيها السادة أنَّ ذلك الموقف الخالد كان مشجّعاً كبيراً لنا، وأننا خرجنا من ذلك المهرجان وقد ازداد إيماننا، إيماناً بوجوده معنا، وازدادت قناعتنا، قناعة بأن شعبنا يضمُّ مثل هذه العقلية المتفتحة الأصيلة، إنما هو شعبٌ يختزن في أعماقه كل إمكانيات الحياة والإنبعاث والبقاء.

أيها السادة: إنّ شخصية الفقيد الجليل أوسع وأعمق من أنْ تُدرَس في مثل هذه الكلمة، وإنما رأيتُ من واجبي أن أُشِير إلى زاوية معيّنةٍ من شخصيته الفذّة، ليقيني بأنه كان أمثولة حيّة لهؤلاء القلّة من الأفراد الذين ترجع إليهم الأمّة أيام المحن والأزمات، لتجد ذاتها في نفوسهم، وتلتقي بأصالتها ومقدساتها وقيمها الروحية مختزنة في أعماقهم.

ويقيني أننا إذا كنّا نريد فعلاً أن نكرِّم فقيدنا الجليل، وأن نجني ذكراه، فإنما ذلك في اهتدائنا بهدْيِهِ، وسيرنا على طريقه في تقدير فكرة الإنسانية في ذواتنا كأفراد، وفي ذات أمتنا كأمة، وفي الإيمان بأن الحقيقة كل الحقيقة هي في هذا الإنسجام المطلق الصافي الذي تستوجبه الحياة الإنسانية بين كيان الفرد منّا كفردٍ، وكيان الأمة كأمّة، وكيان الإنسانية كفكرة إنسانية.

القرداحة - محمد الخيِّر

***

الصفحة 75 من 298