مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

خَيْرُ الصَّنِيعَةِ فِي مُخْتَصَرِ تَارِيخِ غُلَاةِ الشِّيعَةِ - الْجُزْءُ 1 - حُسَيْنُ مَيْهُوبُ حَرْفُوشٌ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 74 من 298

ويسهمون في تبليغ رسالتها الخالدة، وإذا هم مع يماثلهم في أماكن أخرى من الوطن العربيّ يشكلون الخميرة الصالحة التي أدَّتْ إلى ثورة الوجدان العربي ويقظة الضمير الإنساني.

وفقيدنا الجليلُ الذي نجتمع اليوم لإحياء ذكراه كان واحداً من هؤلاء الأخيار الأبرار، هؤلاء الذين ظلَّت عفويتهم وإيمانهم حادياً لهم في طريق المحافظة على أصالتهم وروحانيتهم، هؤلاء الذين يُعتَبَر كلٌّ منهم أنموذجاً حيّاً من النماذج التي ترجع إليها كلّ أمّة أصيلة عندما تمرُّ في مثل هذه المرحلة من تاريخ أمّتنا لتجدِّد ذاتها حيَّةً متجسّدة في ذات كلّ منهم.

هؤلاء الأفراد وفقيدنا الجليل واحد منهم، لاأزعم أبداً أنهم كانوا أنبياء أو قدِّيسين، ولكنني وأستميحكم أيها السادة على أكثر من اليقين بأنهم كانوا دائماً يسيرون على الطريق التي سار عليها الأنبياء والقديسون.

كان إنساناً يهمُّه أن يحقِّق إنسانيته، إنْ في التقائه مع ذاته، وإنْ في التقائه مع ربه، وكان يحبّ فكرة الإنسان في كلّ إنسان، يستحيل أن ينال أيّ فردٍ من الناس بأي أذى، فإذا حاولت أن تنال أمامه من أيّ أحدٍ من الناس ولو كان خصماً له: أوحى إليك بأرقى أساليب اللباقة والنعومة، حتى ليكتفي بالإشارة أو النظرة حرصاً على كرامة فكرة الإنسان التي يتخيّلها متجسِّدةً فيك، أنه عيبٌ أن يغتابَ الإنسان إنساناً أو أن ينال منه.

كنتَ لاتستطيع أن تراه في وقتٍ يُدعى بفراغ، فهو إمَّا مع ربِّه يعبده ويتقرَّب إليه، وإمَّا مع عباد ربِّه يعلِّمهم عبادة الله، ويرّغبهم في التقرُّب إليه ترغيباً، لم يكن متعصِّباً ولا ميَّالاً للتعصّب، ولكن كان داعية للإلفة والمحبّة بين الطوائف وبين المذاهب وبين العشائر وبين طبقات المجتمع.

كان متديناً، مغرقاً في التديُّن، وكان عالماً مغرقاً في حبِّه للعلم، يندر أن تجده إلاَّ وهو مع كتب العلم والدِّين.

زرتُهُ مرّةً مع أخي، فوجدناه مستغرقاً في الكتب، فسأله أخي: نراك دائماً مع الكتب.

فأجاب: إذا لم نمتْ والكتاب بين أيدينا، فماذا يكون الفرق بيننا وبين غيرنا؟

ولكنّ إيمانه العميق وفهمه الصحيح للدِّين وللتديُّن لم يمنعه من أن يكون متحرِّراً تقدميّاً في عقليته وسلوكه ومواقفه، بعيداً عن التزمُّت وعن ضيق الأفق وانغلاق الفكر.

وكثيراً ماتجلستُ وإيّاه منفردين تارةً وغير منفردين تارةً أخرى، فكان يثير البحاث والمواضيع التي تتعلّق بشؤون هذا الوطن وحاجاته واتجاهاته السياسية،

الصفحة 74 من 298