مخرج منها، وانحدرت القيم الأخلاقية إلى السفوح حتى خُيِّل أنها لن تستطيع التوقُّف عن الإنحدار، وابتعد الإنسان عن ربِّه حتى توهَّم أنه غير قادر على العودة إليه، اليوم يعود الوجدان العربي إلى يقظته بعد رقادٍ طويل، وتعود النفس العربية لتأخذ على عاتقها هداية العالم من جديد، فإذا هي مدّةً أخرى كما كانت دائماً تحدو الإنسانية بأناشيد السماء، وتعزف أنغامها الخالدة على أوتار وجدانها الصافي المرهفة.
وارْنوا معي أيها السادة تروْا بأبصاركم وبصائركم، وتسمعوا بآذانكم ووجدانكم، وفي كلِّ منبلجٍ للصبح، وفي كلِّ مغترب غروب للشمس، يهتزّ وتر جديد بنغم جديد، إنه هو الوجدان العربي، هذا الذي يعزفُ ويغنِّي ويحدو.. وإنه هو المارد العربي هذا الذي يهدر كالسيل لتكسير الأصفاد، وتفجير الينابيع وبعث الحرية، وتغيير مجرى التاريخ، ليس بالنسبة للأمَّة العربية وحدها، وإنما بالنسبة للإنسانية كلّها.
ونحن قومٌ علَّمتنا عبقرية أُمّتنا أنها أمّة لاترضى الخير لنفسها وحدها، ولا تكتفي بتحقيق الحرية لذاتها وحدها، بل هي لاتجد ذاتها منفصلة عن ذات الإنسانية، ولا تجد حرّيتها إلاّ في تحرير الإنسانية، ومن هنا فقضيتها هي دائماً قضية القيم الإنسانية، ومنها أيضاً فنضالها مستمرٌّ أبداً، ومعركتها محتدمة أبداً في خطّيْن متوازيين متقاربين إلى حد التطابق، خطّ القومية العربية، وخط الإنسانية.
هذه هي أمتنا العربية أيها السادة، إنها كسائر الأمم الحيَّة الأصيلة، تحمل دائماً في أعماقها بذور التجدُّد والإنبعاث، ترقد ولكنها لاتموت، تقف ولكنها لاتتجمَّد، تكسوها القشور أحياناً، ولكنها تظلّ منطوية على الجواهر، تضمر الحقيقة أحياناً، في المجموع كمجموع، ولكنها تبقى حيَّة في نفوس بعض الأفراد الممتازين، هؤلاء الذين يحملون في أعماقهم حقائق أمتهم وإمكانياتها، حتى كأنَّ كلاًّ منهم هو الأمّة، وكأنّ الأمّة متجدّدة في كلٍّ منهم، يُخيَّلُ للناس أنَّ أمتهم ماتتْ، بينما هي حيّة في نفوسهم، منطوية في وجدانهم، فإذا هؤلاء النفر الممتازون هم الضمانة الدائمة لمقدّساتِ أمتهم، والمستودع الأبدي لأصالتها، وما إن تشعر الأمّة بالحاجة لهذه المقدّسات حتى تنفتح هذه المستودعات كما تنفتح الكمائم عن عبير الأزاهير، فإذا أصالة الأمة ومقدّساتها تنطلق من عقالها وتنير الظلمات أمام العميان فإذا هم مبصرون.
وفي هذه الجبال العربية الشماء أيها السادة: نفرٌ من الأخيار الأبرار قُدِّرَ لهم أن يكونوا دائماً رمزاً لمحافظة الإنسان على قيمة الإنسان حتى في أحلك الظلمات وأقسى العهود، ظلُّوا محافظين على صلتهم بربهم، وظلُّوا ممسكين بحبال السماء وهم يسيرون على الأرض، لم تحجبهم الدنيا عن الآخرة، ولم تحلُّ المادة بينهم وبين الروح، فعبَّروا بذلك عن أصالة أمّتهم، وظلَّتْ مقدّساتها حيَّةً في نفوسهم فإذا هم يرفعون رايتها الأبدية،




