مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

خَيْرُ الصَّنِيعَةِ فِي مُخْتَصَرِ تَارِيخِ غُلَاةِ الشِّيعَةِ - الْجُزْءُ 1 - حُسَيْنُ مَيْهُوبُ حَرْفُوشٌ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 72 من 298

وعندما ينحرف الإنسان بالإنسانية عن محور الحقيقة تحدث الأزمة وتحلّ المحنة، وليتيه الإنسان في بحر من الحيرة والضلال، فإذا هو يخبط خبطَ عشواءٍ يتلمَّس ذاته فلا يدرك ذاتَهُ، وينشد الحقيقة فإذا هو جِدّ بعيد عن الحقيقة.

لقد كوَّنَ اللهُ الإنسان من عنصرين متكاملين: عنصر المادة، وعنصر الروح، وجعل تلازم العنصرين شرطاً لتحقق فكرة الإنسانية في الإنسان، ومنذ القديم أراد الله للإنسان أن تكون بصيرته مُتطلّعة إلى السماء مثلما تنعكس أشعّة بصره إلى الأرض، وأوحى إليه أنه لن يهتدي على الأرض إلاَّ بمقدار مايستهدي أنوار السماء.

ولكنَّ الإنسان كثيراً مايظلم نفسه، ويظلم الإنسانية معه، وما وجدتُ الإنسانيةَ واقعة في محنةٍ من ظلم الإنسان، حائرة متردّدة متردّية، مثلما هي في هذه المرحلة من تاريخها.

واعذروني أيها السادة إذا أرجعتُ هذه المحنة القاسية التي تعانيها الإنسانية اليوم إلى خروجها بالإنسان الفرد عن فلكه الطبيعي الأصيل.

لقد بلغ الإنسان بالإنسانية الذروة في كلِّ مايتعلّق بأمور المادّة، ولكنه قطع أواصيرها بالسماء بمقدار مامتّن علاقتها بالأرض، فإذاً الإنسانية اليوم سائرة في ركبٍ من الحضارة المادية البحتة، وهي لاتلوي على أية قيمة من القيم الروحية، ولا تعير أيّ اكتراثٍ لأي مفهوم من المفاهيم الأخلاقية.

وكأنَّ الله أيُّها السادة أراد لأمتنا العربية أن تكون دائماً بالنسبة للإنسانية درعاً تحميها وهادياً يهديها، فحمّلها منذ القديم رسالة السماء إى العالم، وفرضَ عليها أن تقوم بدور المنقذ في كلِّ مرحلةٍ تتردّى فيها الإنسانية ويبتعد فيها الإنسان عن ذاته وعن ذات ربه، وتنسى البشرية أنَّ التقدُّم على الأرض لايمكن أن يكون له معنىً صحيح عميق إلاَّ بمقدار مايكون التطلُّع إلى السماء، وأنه لاقيمة لأي حضارة مادية إلاَّ بمقدار ماتقترن بالإيمان، بالحضارة الروحية الأخلاقية.

هكذا، كأنَّ الله أيُّها السّادة قد علَّم أمّتنا أن تكون، وهكذا كأنّ الله قد أراد لأمّتنا أن تفهم معنى الحياة، وأن تحمل رسالتها إلى ابن آدم فتعلِّمه صلة السماء بالأرض، بل أنه ظلُّ السماء على الأرض، وأن رسالته إنما هي في أن يجمع لديه الحياة بقطبيها، وأنه بمجرّد أن ينحرف في تيار المادة، وينحرف عن قيمة الروح، إنما يكون قد فقد إنسانيته ومعنى حياته.

ومن هنا كانت أمتنا العربية دائمة هي منجبة النبوّات، وكانت أرضنا العربية دائماً هي مهبط الرسالات.

واليوم أيُّها السَّادة وقد بلغت محنة الإنسانية كلَّ مبلغ، حتى ظُنَّ أن ليس لها

الصفحة 72 من 298