مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

خَيْرُ الصَّنِيعَةِ فِي مُخْتَصَرِ تَارِيخِ غُلَاةِ الشِّيعَةِ - الْجُزْءُ 1 - حُسَيْنُ مَيْهُوبُ حَرْفُوشٌ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 294 من 298

وقد كان الردّاد بلغه لما غيَّر وبدَّل وصايا شيخه وملامته لمن لايصلح له توبيخ، فحدّثه أنَّ الردّاد أنكر الصورة والسبعة الذاتية، وكان المعلِّم موسى غيَّر وصية شيخه جامع ومال إلى أصحاب الدنيا وإيثارها، وجاملَ الناس لطلب حطامها، فسمع حديث ربيعة واشتغل بماله ونسي ماقال تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26) ص﴾، فعند ذلك داخله الحسد والظنّ، فعمل فيه مناظرة وذمّ الردّاد، وقال فيها: " لقد بلغني أن هذا الرجل يعبد الضياء والغيب يقع به الزيادة والنقصان "، وتكلّم فيها ماتكلّم، وأنفذها إلى قرية أسفين، فقرأوها على المعلِّم عطارد ومن تبعه، فوجدوا أكثر الكلام الذي فيها مع الردّاد مشدود وعليهم مردود، فزهدوا فيها، وبعدها وصلتْ للردّاد.

قلتُ: تأمّل هذه النكتة تؤكِّد حمد موسى، وهو قوله مع الردّاد مشدود وعليهم مردود، أي على ربيعة وأتباعه، فإن مناظرة موسى على حسب تكذيب ربيعة، فعليه يكون اعتقاده ممَّا يوافق الردّاد، وقول الردّاد:" وقد سطّر فيها أغراضي ".

ولم يعلم الشيخ موسى أنه يدخل عليه من الردّاد الداخلة لقلَّة معاشرته له، وكانت مناظرة موسى وقعت بيد الردّاد، فقام موسى وجاء إليه وهو يومئذٍ بقرية رباح وهي بجبل الحولة، فنزل بجانب القرية عند لزمته وطلبه لديه، فامتنع من المجيء لأنه كان مصادمة، وخرج بعدئذٍ إليه الردَّاد فوجده قد خرج من القرية، فلمَّا رآه وقف ومعه عصابة من الأوباش وأهالي القرية يودِّعونه وهو يلاطفهم بعذوبة كلامه، ويميل إليهم بلطفٍ ليستجلب قلوبهم إليه، وما قصدهم إلاَّ الفرجة واعتماد الغلبة، لأنهم قاصرو الفهم عمَّا هم فيه، وأظهر البدعات في المجالس ومالوا إلى اللهو والغنى، وأقبل عليهم فلم يُسلِّم على الشيخ موسى لما رأى حوله من أصحاب البدع وأشياء لم يستحسنها منه.

وكان الشيخ موسى أوصاه سيِّده جامع بقطع المذاكرة معهم لأنهم كانوا مخالفين له، ويعلم الشيخ موسى ذلك منهم.

قلتُ: الظاهر أن ميل موسى لأجل الدنيا ممَّا لايخال أنه كان على غير دين الشيخ جامع، لقول الردّاد:" وهو يؤانسهم بالمحادثة لأجل أحوال الدنيا ممَّا هو من طبع بني الإنسان ".

فلمَّا سمع ذلك منهم ومنه امتنع عنهم، وكان يذاكر هو وإيَّاه في معاتبة إلى أن قال له:" وأنت أيها الشيخ قد دهاكَ تلميذك ربيعة، وفي الخطأ رماك ".

وقال له:" أنا أُحضِرُ كتابي، وأنت تحضر كتابك بين يديْ مَن لايكون له معي ولا معك غرض، وأنت تذكر أني كنتُ اختصرتُ في العشرة من أهل الجبل من أصحاب الموافقين على الحق، وأنا مواظب على البحث والتحصيل، مجانبٌ للمبذرين المجادلين المكاشرين ".

الصفحة 294 من 298