وكانت أخبار سراج الدين تأتي من كل بلد إلى صفيّ الدين، فألّف فيها الرسالة التي تقدَّم ذكرها، وأرسلها إلى حمص وبلادها، وظفر حاتم بها كما بترجمته.
وقد حمَلَ صفي الدين نفسَهُ على كشف ضمائر تلك الجماعة، وما تنطوي عليه سرائرهم إلى علم الشخص الذي استمالهم إليه، ومن بعد وُدٍّ قد اعتكفوا عليه، ثم قصدَ سيِّداً من العلماء قدوةُ ممَّن وقف على علم الشيوخ، وعرف الناسخ والمنسوخ، واستنبط العلوم وغوامضها، وعرف الأسرار وبواطنها، وهو محقِّقٌ في دينه، مخلصٌ في عبادته لمولاه في جهره ويقينه، السيِّد العارف، ذي الحقائق، قدوة العارفين، وفريد المحقِّين " بدر الدين محمد بن خليل السنجاري " جمّله الله بملابسه الفاخرة، وجمعَ له بين فضيلتي الدنيا والآخرة، فسأله عن العجل المشار إليه، والسامريّ الذي اعتكفوا عليه، وعرّفه ماقوَّى عزمه على تصنيفه في الردّ عليهم من مبدأ النفس، وكيف هي مخلوقة مربوبة، تدخل تحت الخير والشرّ ممَّا تستحقّه من الإقرار بمعنوية مولاها أمير النحل، الأزل القديم، العليّ العظيم، مع إخوانها الذين بهم الرجاء والأمل، يوم تجد كل نفسٍ ماعملت من خير محضراً، وما عملت من سوءٍ... إلخ.
فقال له عند نصّ اعتقادهم وما قد صنّفه لهم عادُهُهم وشدّادهم:" أنعِم بها طلباً للثواب لينقض بما صنّفه نصّ الكتاب، وذلك ليحقّ الحقّ ويزهق الباطل ".
فلمَّا وقف على معناها، وعرف سرّها ونجواها، فرآه يُشيرُ إلى الحلول (الضمير لسنان)، وهذا مذهب الحلول هو مذهب العشري الذي بلَّغه سراج الدين لسنان، بلغوا من أليم الجحيم، ثم عمد لمذهبهما فتلفه، وأرى كلًّ منهما حتفه.
ولنأتِ ببعض من قداديس سراج الدين، وردِّ صفيّ الدين عليه، وهو قول سراج الدين لعنه الله في الفصل الأول من مقالته:" السّلام لمن اتّبعني، وأنا الهُدى لمن عاينني، وأنا الملأ الأعلى، وساطح الأرض، ورافع السماء، أحسنتُ في مقامي البنا، وجعلتُه لعارفيّ غاية النُّهى، أثبتُّ بقدرتي بنياني، وأنظمتُ بحكمتي وبرهاني "، وهو يعدو المئتين كلمة.
فردّ عليه صفي الدين:" من أفقر عباد الله صفي الدين الكركي، ومكثَ ينقض ماشيَّد، ويهدمُ ماأوَّد... إلى قوله: وإن سراج الدين أضلَّ سناناً وقال له الكفر وطاوعه، ولا خير بمن تبع الشيطان، فكان كما قيل: ماكان لي عليكم... إلخ، ولمَّا أعطاه الذخائر والأموال نصّبه تلميذاً له وإماماً لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ (41) القصص﴾




