ثم إنه اجتمع بعد ذلك بجماعة قد أتوا من قريب، ودخلوا البيت من غير تهذيب ولا ترهيب، آراؤهم متفرِّقة تحسبهم جميعاً، وقلوبهم شتى، يشيرون إلى أنفسهم الخسيسة وشياطينهم الرجيسة، لقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) العنكبوت﴾، وذلك لمَّا صاح فيهم شيطانهم اللعين سراج الدين، وأمال قلوبهم لقلّة عقولهم، لأنهم أميُّون لايعلمون الكتاب، فعكفوا عليه وأجابوه، وقبلوا مازخرف وصدَّقوه، فعدل بهم المحجة، وأضلّهم بغير حجّة، وادّعى ماادّعاه فرعون وهامان، فأوردهم موارد الهوان، وأضلّهم الصراط المستقيم، وهداهم سواء الجحيم.
ولمَّا رآهم قد عدلوا عن الكتاب، وما نقله أولوا الألباب، وألبسوا الحق بالباطل، وكتموا الحق وهم يعلمون، لقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءهُم مَّاعَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ (89) البقرة﴾، فهنالك عرف أن هؤلاء القوم طبع على قلوبهم فهم لايعلمون، فكانوا جند إبليس، وكقوم بلقيس، يشيرون إلى أنفسهم بالربوبية، ويجحدون القدر المعنوية، وملَّهم الذباب وهم يتجاسرون على رب الأرباب ومُظهر كل عجاب، وإذا كملت أيامهم أُخذوا من خلفهم وأمامهم، فتنكّس رؤوسهم، وتبدَّل جسومهم، ويختم على أفواههم، وتشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم، فيسألون الإقالة فلا يقالون، والتوبة فلا يُقبلون، فحينئذٍ يُتلى عليهم: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (63) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (64) يس﴾.
فبذل جهده، وأمعن سرّه وخاطره، وصنّف كتاباً في معرفة النفس ردَّاً على مَن قال إنها غير مخلوقة، وأرسلها إلى قرية طوبى هدية لأبي المكارم الشيخ حاتم الطوباني المعروف بالجديلي، وذلك ردّاُ على سراج الدين مضادده، وعلى سنان قزحل تلميذه، وقال:" ماسلَّط الله علينا هؤلاء إلاَّ لذنوبنا ".
وذلك أن سراج الدين ادّعى ماادّعاه فرعون وسمّى كتابه الهداية، وصفيّ الدين جعل كتابه أبواباً، لكلِّ نصٍّ باباً يعكس ماتضمّنه كتاب سراج الدين، وشرحاً يبيِّن المراد ويقيِّده بالكتاب العزيز الذي لايأتيه الباطل، لأنه لمَّا اجتمع بهؤلاء الجماعة يومئذٍ في مدينة عانا، ورأى خُلْفَ رأيهم وأقاويلهم، وأنهم قد زاغو عن الحقّ، وأنّ هذا الملعون سراج الدين لم يمرّ ببلد إلاَّ ويخلف فيه تلاميذاً له يفسدون، حيث سار إلى بلاد بغداد والموصل، ثم إلى حماه وبلاد حمص، فأفسد عليها أُناساً، وكبيرهم الرجل المخذول الذي ذكرناه سنان.




