وكان عند سيِّدٍ من المؤمنين وقدوة من الموحّدين شمس الدين بن محمد الزجّاج البالسي قدّس الله روحه، فلمّا قصّ عليه المنام، قال له: تطلب لك إماماً.
فافتكر في التعبير، فرآه به خبيراً، وتأمّل مانزل على البشير النذير فرآه يشير إلى الحقّ، ويميل إلى الصدق، العليّ الكبير، فحمل نفسه على الصواب، وما جاء به الكتاب لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7) الحشر﴾، مع قوله: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) النجم﴾، فعلم أنه يأمره وينهاه مع قوله عليه السلام:" مَن كذّب عليَّ تعمُّداً فيتبوَّأ مقعده من النار ".
فعندها سارع إلى ماأمر به، واجتنب مانُهِيَ عنه، فقصد سيِّده وقدوته وطريقه وقبلته، ودليله إلى حياته وجنّته، قدوة زمان، بقراط عصره وأوانه شمس الدين عبد الجبّار قدّسه الله، فوجد عنده جماعة من المؤمنين، فسلَّم عليه، وبذل نفسه بين أيديهم، فأشار إليه مَن ينكر له ردَّ حقِّه، ولا يجحد فضله شهاب الديِّن عبد الجبّار وأخوه علاي الدين، فسألا سيِّده بحقِّهم أن يقبل سلامه، ويمكّنه من تقبيل أقدامه ليكون من المقبولين، وينتظم في سلك الموحِّدين، فأجابه إلى سؤاله ووعده ببلوغ آماله، فخدمه نفسه، وبذل حياته، وجاهد حق جهاده ليفوز به يوم المعاد، ويكون اعتماده لما نطق به الكتاب لقوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78) الحج﴾، مع قوله:" رجعتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، وهو جهاد النفس في مرضاة الله ".
فلمَّا بان لسيِّده رشدُهُ أشرقت عليه منه شمسُهُ، فجلا عنه غياهب الظلام، وعرّفه الحلال من الحرام، فمُلِىء قلبه نوراً وإيماناً ومعرفةً وبرهاناً، وما زال إحسانه سابقاً، ونوره عليه شارقاً، إلى أن حقَّت الكلمة وتمّت النعمة، فلمَّا انتظم في سلك العارفين، وأحسنوا إليه إحسانهم، ووجدهم قوماً موحِّدين، ولمولاهم طائعين، قد عرفوه يوم الأظلة، ووحَّدوه عند ظهوره لكل ملّة، وهم نفسٌ واحدة في أجسام متفرّقة، وما فيهم من دخل من غير باب، وسجد لغير حجاب، كلٌّ منهم يُشير لنفسه بالتأديب، وللمعنى بالعبودية، العين المعنوية، فلمَّا غابوا عن أجسادهم لحقوا بقديمهم ودار معادهم، وتخلَّف منهم نفرٌ يسيرٌ وهم الأقلُّون عدداً، الأكثرون عند الله قدراً، وهم أشخاصٌ معروفة، ورجال موصوفة، أنوارهم مضيئة، وجواهرهم عقلية، لايشوبهم كدر، ولا يلحقهم قترٌ، ضعفاء في أبدانهم، أقوياء في إيمانهم، لايوالون لله عدوّاً، ولا يعادون وليّاً، مُقِرِّين بالعهد والميثاق، يخافون ويرجون يوم التلاق، لاتغيِّرهم الفوادح، ولا تحدث فيهم الحوادث، أحسنوا لله قولاً وعملاً ".
***




