وجعل العلم والعمل جوداي التسابق في بلوغ غاية اللذات الروحانية، والجهل والكسل سبب السلوك في أليم العقوبات الجسمانية، ولم يفرض مافرض ممَّا تقدَّم ذكره إلاَّ لافتقار المخلوقين إليه ظاهراً وباطناً، فإنه فرض الفرائض لتعرف بها الأشياء، إذ لاسبيل إلى معرفة حقيقية الصنعة إلاَّ بعد إثبات الصانع لها، لأنها لم توجد إلاَّ منه وهو صانع كلّ مصنوع وقادر كل مقدور، ولا سبيل إلى معرفة الأشياء إلاَّ به، وفرض توحيده ليفيد النفوس العلم بوحدته، ويزيل عنها ظلمة الجهل به.
وفرض الإيمان في ستر غيبه ليجعل لها بذلك الخلاص في مشاهدة شهادته، وتذكيراً للناس، وإرشاداً إلى علامات من القدرة القاهرة والأنوار الباهرة.
وفرض السّلام إدخالاً للنفوس الشريرة تحت أوامر النفوس الخيِّرة ليقلَّ شرّها وتنكسر شوكتها.
وفرض التصديق بملائكته وكتبه ورسله تنبيهاً للنفوس على شرف مقامات أهل الطاعة، وعظَّم درجاتهم عنده ليأتمر من دونهم بأوامرهم، وينتهي عن نواهيهم، ولتنتظم أحوال الوجود بسنّتهم، وتكفّ أكفُّ العداوة بسطوتهم.
وفرض طاعة أولي الأمر بقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ (59) النساء﴾ طلباً للبلاغ.
وفرض الصلاة ليزيل بها مقت الكِبَر من رؤوس المتكبّرين في السجود له والخضوع بين يديه.
وفرض الزكاة ليواسي الأغنياء للفقراء ممَّا أفاء الله عليهم من فضله، فتصلح بذلك معايشهم، ووعدَ الخلف لقوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِّنْ شَيْءٍٍ فَهُوَ يَخْلِفُهُ (39) سبأ﴾.
وفرض الصيام امتحاناً للنفوس بالصبر عن الملذات، وتقويةً لاستعدادها لقبول اللذات القدسيّة، ولترق القلوب، وينقمع به سلطان الشرّ، وتلين قلوب الأغنياء للفقراء بالآلام الداخلة على نفوسهم من قبل الجوع.
وفرض الحجّ ابتلاءً للنفوس في الطاعة في التوجُّه إلى البيت الموضوع ببكّة كما ابتلى الملائكة بالسجود كمثال المثل المضروب بالحمأ المسنون ليميّز الطائعين من العاصين، وتنبيهاً على مقابلة شعائر العارفين، وليتشبّهوا بالطواف حوله بالطائفين بالبيت المعمور من ملائكة ربّ العالمين في ملكوت السماء.
وفرض الجهاد ليقطع دابر أهل الفساد من الكافرين، فهذه حكمة الله الظاهرة فيما شرع لعباده.
وأمَّا حكمته الباطنة: فهي مسلكٌ لايعرفه إلاَّ أهل الإجابة السابقة، ولا يطّلع عليه إلاَّ الآحاد من ألوف الألوف، لأنها النعمة الشاملة واللذة الكاملة والدرجة العليا.
والمعرفة العظمى هي الأسماء التي هي غرضنا في هذه الرسالة بالإشارة إليها، والدلالة عليها من المقامات القدسيّة والذوات العقليَّة العالية عن ذوات الأجساد الكاملة بالقوَّة والإستعداد التي وضعت السنن دالّة عليها، والفرائض بإزاء مظاهرها،




